كأن المنفى هو المطبخ

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • كأن المنفى هو المطبخ

    كأن المنفى هو المطبخ
    مها حسن 31 ديسمبر 2022
    يوميات
    شارك هذا المقال
    حجم الخط

    الأكل هو الانتماء...
    يقول مالك حداد: الفرنسية منفاي، ويقصد طبعًا اللغة الفرنسية.
    أما أنا، المقيمة في فرنسا منذ قرابة تسعة عشر عامًا، فإن إحساسي بالمنفى يتحرك في علاقتي بالطعام.
    ورغم كل هذه السنوات، لا أزال أعاني من ثيمة نهار يوم الجمعة، المرتبط لدي بالفول، إذ درجت عادة أهلي، خلال سنوات طويلة، على فطور يوم الجمعة، والذي يكون دائمًا هو الفول، بنوعيه: الفول بالطحينة، أو الفول بالحامض.
    لدى "أبو عبدو الفوّال"، أشهر بائع فول في حلب القديمة، يصطف الناس هناك، خاصة في صباح الجمعة، لشراء الفول.
    كان صديق أبي مواظبًا على اصطحاب ابنه في صباح كل يوم جمعة لشراء الفول معًا، والعودة به إلى بيت العائلة، مفسّرًا بأنه يريد أن يخلق لدى ابنه هذه العادة، ويكرّسها في ذاكرته.
    أما جارنا صبري الفوّال، صاحب محل الفول في حارة أهلي في حلب، فكان يتفنن في تحضر فول أمي بالحمض: ثوم وفليفلة وليمون... وقد نشأت علاقة ود كبيرة مع صبري الفوال، بسبب عنايته بفول أهلي، الذي يصلنا ساخنًا، وتكاد تحرق أمي أصابعها في كل مرة، حين تفتح الكيس ويخرج منه البخار الساخن.
    وكذلك أبي، حين من وقت لآخر، يحتفي بنا على طريقته، فيتسلّم مهمة جلب الفول، ليذهب بسيارته إلى بيت أختي المتزوجة والمقيمة في حي بعيد، ويأتي بها مع أولادها. يوصل أختي إلى بيتنا، ثم يذهب برفقة الأولاد ليأتوا بالفول من عند أبو عبدو الفوال، الذي يتطلب الذهاب إليه سيارة، لأنه مكانه بعيد جدًا عن بيتنا.
    هنا في فرنسا، حين تنتابني موجة شوق قوية صوب حلب، أفتح علبة الفول، التي أشتريها عادة من محل خاص للمنتجات السورية، والعلب دائمًا تحوي كتابة عربية، لأن الفول غير مألوف في فرنسا بهذه الطريقة، أي ما ندعوه في سورية بالفول المدمّس.
    أحد الأصدقاء في باريس، كلما أراد أن يغويني بقبول دعوته على الطعام، اقترح عليّ الفول... هذه الدعوة التي لا يمكن الاعتذار عنها مهما كانت الظروف.
    حين دعوت صديقة فرنسية مرة إلى الفول، أحسست فعلًا بالمنفى، لأننا اعتدنا على أكل الفول مغمّسًا مع الخبز، بينما صديقتي كانت عاجزة عن تغميس الخبز داخل طبق الفول، وراحت تأكله بالشوكة، مسببة لي بعض الغرابة، أو الغربة.
    في حلب، أيضًا، أثناء الجامعة، وبعد انتهاء المحاضرات المسائية في ساعة متأخرة، اعتدنا التوجه إلى محل الفول في حي الجميلية، حيث نجتمع عشرات الزميلات والزملاء لنأكل الفول مع البصل اليابس، أو الأخضر، أو المخلل الذي يُدعى الطرشي لدى المصريين.
    هنا في فرنسا أيضًا، أراقب طلبات السوريين اللاجئين، وخاصة الواصلين الجدد، ليتبين لي أن أغلب الأسئلة تتعلق بالطبخ:
    ـ أين أجد مطعمًا سوريًا في مدينتي التي انتقلت إليها؟
    ـ هل يوجد مطعم سوري في الحي الفلاني؟
    ـ أين يمكننا شراء لبن لطبخ الشاكرية، كل اللبن الذي جربته لم ينفع؟
    ـ أين أجد محلًا لبيع الملوخية؟
    ـ هل تعرفون أين أجد الباذنجان الصغير لعمل المكدوس؟
    ومن أطرف الطلبات التي قرأتها في مجموعة للسوريين في فرنسا البحث عن سيدة حلبية تطبخ الكبب بأنواعها وتبيعها في باريس.
    هكذا تكبر الأسئلة والطلبات المتركزة حول الوصفات السورية المألوفة، التي لا تتوافر بسهولة في فرنسا، وكأن مواجهة المنفى تتم أولًا عبر استحضار الطبخ المحلي، طبخ البلد، وكأن الذاكرة، كما كرّسها مارسيل بروست في "البحث عن الزمن المفقود" مرتبطة بالطعام، إذ نعرف جميعًا، نحن الذين قرأنا هذه الرواية، كيف كان بروست يستعيد زمنه الضائع عبر قطعة المادلين.
    هنا في فرنسا، كلما اشتقت إلى حلب، تناولت الفول، وبحثت عن فيلم مصري في ذات الوقت، كما كان أهلي يفعلون في حلب: فطور متأخر، مع فيلم يوم الجمعة، الذي يكون غالبًا بالأبيض والأسود، وغالبًا أيضًا هو فيلم مصري، مع المائدة التي يكون الفول سيدها، وإبريق الشاي الجاهز، مع أو بعد الطعام، حسب الذائقة.
    المنفى بالنسبة لي هو غياب الأكل السوري، والوطن، في جزء منه، حين أشمّ رائحة الفول والفلافل والملوخية... حين يحضر مطبخ أمي، فيملؤني بالأمان، والانتماء.


    الكتابة والمطبخ: الأكل في كتابتي
    يرد الأكل في كتاباتي من دون وعي مني. أتنبّه أنني أستعمل توصيف الطعام في حالات اللقاء الحميمية، حيث ترد تفاصيل الأكل في اللقاءات العائلية في رواياتي، وكذلك في استعادة الذاكرة العائلية، وكأن الطعام في كتابتي يأتي كمعادل للعائلة. فالعيد، سواء في ذاكرتي الشخصية، أو لدى كثير من الشرقيين والغربيين معًا، هو غداء العيد، أو عشاء العيد، إذ تجتمع العائلة الكبيرة في هذه المناسبة، ويحضر الطبق الرئيسي المُعتنى به لهذه المناسبة.
    في روايتي "حبل سري"، هنالك كثير من تفاصيل الحديث عن الوصفات الفرنسية، وكأنني أتنبّه لهذا الآن، كنت أشعر بأن الأكل الفرنسي هو الموازي لعملية الاندماج مع الثقافة الفرنسية.
    من جهة أخرى، ولأن الرواية تبحث كثيرًا في مسائل الهويات والانتماءات، فهناك ذكر لأسماء وصفات طعام كردية محلية غير مألوفة في الثقافة العربية. أذكر أن صديقًا، ناقدًا مصريًا، كتب لي مستفسرًا: هي إيه البورانية دي؟
    ذلك الطبق الكردي الذي تُطهى فيه الخضار مع البقول، داخل اللبن.
    ولأنني لست ناقدة لأخصص مقالًا عن أنواع الوجبات في كتابتي، لكنني أضحك كلما تذكرت ملاحظة وردتني من أحد ناشري، حين كان يراجع الرواية، ليكتب لي مازحًا: كل الأكل عندك كبة، أو ملوخية، أو يبرق... معقول أبطالك ما بياكلوا زيت وزعتر، أو برغل ببندورة... ممكن تغيري أسماء الأكلات!
    في رواية "أسرار وأكاذيب" للروائية غالية قباني، الصادرة عن دار الريس منذ سنوات، كدت أجمع دائمًا بين "شوربة العدس" وحكاية البطلة، لكثرة ما يتردد الحديث عن المطبخ ورائحة شوربة العدس... وكانت شوربة العدس بالنسبة لي سلاحًا مطبخيًا ضد المنفى البارد في لندن. ويمكن بالتأكيد سرد عشرات الحالات المشابهة، من قيام الأدب بجلب الطعام إلى القارئ، وإيصال مشاعر يرغب الكاتب في نقلها إلى القارئ، عبر الحديث عن أشكال وألوان وروائح الطعام.


    الأكل كمحرض على الكتابة
    في حوار مع الممثلة ليلى علوي، قالت بما معناه: هذا الفيلم يعطيني الرغبة في تحضير صحن بيض مقلي!
    هكذا تستطيع الكتابة أيضًا أن تفعل. فقد يحدث لي أن تفتح الكتابة شهيتي على أكلة قديمة "المغربية"، حين ترد هذه الوصفة في كتابتي، فتأتيني الطعمة والرائحة والذكريات الدائرة حولها، فتأخذني الكتابة إلى المطبخ.
    وقد يحصل العكس تمامًا، حيث تأخذني وجبة طعام فريدة إلى الكتابة، وهذه إحدى حيلي في جلب الكتابة، وخاصة في علاقتي مع الأركيلة.
    لم أكن أدخن الأركيلة في سورية، لكنني اكتشفتها في باريس، ثم صرت مولعة بها في القاهرة. لهذا أتحدث دائمًا عن أثر الأركيلة في الإلهام لدي، فإذا كانت فرانسواز ساغان معروفة في كون النبيذ أحد أدوات إلهامها، فإن الأركيلة تلعب عندي هذا الدور الملهم.
    حين تستعصي عليّ الكتابة، أجهّز الأركيلة، ومن الضروري جدًا أن يرافقها أمران: الشاي، والموسيقى العربية.
    هكذا أخدع نفسي بأنني أجلس في القاهرة، في مقهى في المنيل، أو الزمالك، يطل على النيل، أو في وسط البلد، حيث الحياة الدافئة، وحيث حلمي الكامن هناك، في انتظاري لأذهب إليه ذات يوم.
    حلمي الذي يتمركز حول العيش لأشهر عدة في القاهرة، والكتابة من هناك، لا كسائحة عابرة، بل كمقيمة أستلهم "النداهة"، ممارسة شغفي المنتظر: طبق كشري، ثم شيشة مع عصير الجوافة، وتصبح الحياة حلمًا يتحقق على الأرض، وتتدفق الكتابة من أرض أجهلها، تحركها روائح الطعام والعصائر والأراكيل.
يعمل...
X