البحر الأبيض المتوسط مهدا لولادة الفلسفة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • البحر الأبيض المتوسط مهدا لولادة الفلسفة



    البحر الأبيض المتوسط مهدا لولادة الفلسفة



    ألكساندر لاكروا
    بقلم: ألكساندر لاكروا – ترجمة: الحسن علاج


    ماذا لواعتبر البحر الأبيض المتوسط مهدا لولادة الفلسفة؟ إنهاالفرضية التي صاغها نيتشه في نص تم تجاهله في فترة شبابه، وهو النص الذي أعاد ألكساندر لاكروا Alexandre Lacroix) (
    في إطار سلسلتنا الصيفية حول البحر والمحيطات. حدس أخاذ للفيلسوف الألماني الذي جعل من تأمل الماء رحما لفكر ماقبل السقراطيين.“يبدو أن الفلسفة اليونانية تبدأ بفكرة مخالفة لما هو مألوف: وهي الأطروحة التي بحسبها سوف يشكل الماء أصلا ورحما لكل شيء. هل من الضروري التوقف حقا عند هذه الأطروحة، وأخذها على محمل الجد؟ بالتأكيد، وذلك لأسباب ثلاثة: أولا، لأن هذا النص يعالج بصيغة ما أصل الأشياء؛ والسبب الثاني ، لأنه يقوم بذلك بدون استعارة أو تلفيق؛ وفي الأخير، ثالث الأسباب، فلكونه يتضمن، في حالة انتقالية، فكرة أن الكل واحد”.
    يعتبر كتاب الفلسفة اليونانية في الحقبة التراجيدية نصا قصيرا لم يقدر حق قدره، وفيه حشد نيتشه معارفه، باعتباره فقيه لغة وكمتخصص في العصور القديمة، من أجل اقتراح تاريخ لنشأة الفلسفة باليونان، وذلك تبعا لرؤية متعجرفة وشخصية؛ فقد كان يسخر من الطابع الشمولي، لا ينخرط بتاتا في جمع ومقارنة مجموع شذرات رسائل المفكرين الأكثر قدما ـ أولئك الذين نطلق عليهم “ماقبل السقراطيين” ـ التي وصلت إلينا، إلا أنه كان يسلك في ذلك طرقا استقصائية سريعة، من خلال الانبهار، من أجل الذهاب مباشرة إلى قلب كل نظام على حدة .
    يعتبر ازدهار الفلسفة، بالنسبة لنيتشه ، مرتبطا بتأمل البحر
    ضمن الفقرات التي خصصها لطاليس الملطي ( 625ـ 620، 548 ـ 545 قبل الميلاد)، وأناكسيماندر الملطي (610 ـ 546 قبل الميلاد)، اللذان يعتبرهما مفكرين يونانيين حقيقيين، لقد صاغ نيتشه سلسلة ملاحظات موحية جدا: فهو يدعو إلى إقامة علاقة وثيقة بين ازدهار المسار الفلسفي وتأمل البحر. كما أن الديانات التوحيدية نشأت بالصحراء، هناك حيث ، في شساعة السماء، تشع الشمس الوحيدة على عالم تسحقه بحرارتها، قد يكون للفلسفة بيئتها أو تضاريسها المختارة في البحر الأبيض المتوسط عامة، وفي اليونان الكبرى (جنوب إيطاليا وصقلية) أو بأيونيا ( تركيا الحالية) بشكل خاص، وحيث أن جميع المفكرين الأوائل كانوا يقيمون في تلك الجزر أو تلك الضفاف.
    كان طاليس يعتبر، تبعا لصيغة شهيرة توجد لدى أرسطو، أن “كل شيء يعود إلى الماء”. وبالنسبة لنيتشه ، فإن هذا الإثبات المفاجئ والباطني، يتضمن في طياته ثورة ثلاثية. أولا، إن اعتبار أن “كل شيء يعود إلى الماء”، هو التوقف عن تفسير الكوسموس انطلاقا من الآلهة، وحتى من خلال وجهة نظر مركزية الإنسان ـ وهو اعتبار أن الكون لا هو إلهيا ولا هو بشريا، وهو ما تبقى إلى حدود الوقت الراهن من وجهة نظر العلم الحديث.
    ندرك بكل تأكيد في الوقت الراهن أن الأرض كانت مغمورة بالمياه في الأزمنة الغابرة، وفي محيطاتها تشكلت أولى الكائنات الحية أحادية الخلية ـ وحيث ظهرت الحياة، إذن ! ثم إن خلايانا لا تزال تحتوي على الماء المالح، نوع من الذاكرة التطورية أو أثر أصول الحياة التي نستمر لا نزال في حمله بداخلنا.
    فحينما نوجه، في الوقت الحاضر، تليسكوبات بهدف اكتشاف كواكب في جميع أنحاء الكون الذي يمكن رؤيته، خارج المجموعة الشمسية، فإننا نتساءل ما إذا كانت هذه الكواكب تضم الخصائص التي تشير إلى أنه يكون بالإمكان أن يعثر فيها على الماء في حالته السائلة. نعتبر أنه الشرط الأكثر ملاءمة للحياة؛ إنه الماء الذي لازلنا في بحث عنه. وهكذا كان نيتشه على صواب حينما لاحظ أن نص طاليس “يتعامل بطريقة معينة مع طبيعة كل شيء” على أنه لو تم التوقف هنا، إن الأمر لا يعدو أن يكون فرضية لعلم الفيزياء، وليس مسارا فلسفيا.طاليس، أكبر مناهض للأسطورة
    وهذا هو السبب الذي يجعلنا نأخذ في اعتبارنا أصالة طاليس مقارنة بالمصريين والهنود والزرادشتيين: “فحتى فريسدس من سايروس Phérécyde de Syros) (وهو معاصر لطاليس وقريب من عدد تصوراته في الفيزياء، يلاحظ نيتشه لاحقا، يعبر عنها متأرجحا في هذه المنطقة الوسيطة حيث الأسطورة تتحد مع الاستعارة، بحيث أنه يجازف على سبيل المثال بمقارنة الأرض بسنديانة طائرة تلف في الهواء وهي باسطة جناحيها …” في حين أن طاليس يبسط، يصقل. فهو لا يرجع إلى أي أسطورة. نصه عار، “بدون استعارة أو زخرفة“، وهو ما يجعل لأول مرة السماح بالتفكير في أصالة فلسفة للطبيعة. ولكن إذا كان الأمر على هذا النحو فقط، فربما يكون طاليس رائدا للمذهب الطبيعي أو الإيكولوجيا؛ وربما يتعلق الأمر بشيء آخر مرة أخرى…محاولة النظر في العالم باعتباره وحدة
    إن حقيقة أن طاليس امتلك الجرأة على توظيف خياله بهدف الصدح بإثبات يوجد في تناقض صريح مع التجربة العادية: مؤكدا أن الماء هو أصل كل شيء، فقد تجاسر على أن يطرح في نفس الوقت بأن كل الأشياء تصدر من نفس البوثقة، أن للكوسموس وحدة عميقة. السعي إلى التفكير في العالم كوحدة وليس الاكتفاء باختباره كتعدد: هذا هو الانقلاب على الفلسفة ! منذ ذلك الحين، ثمة اقتلاع من المكان، من الظروف الطارئة، من الذاتية. ألا يدرك ساكن جزيرة أنه يوجد ما هو أكبر من جزيرته: البحر ذاته؟
    لقد تم إنجاز الركلة الأولى لطاليس، دائما باتباع الجينيالوجيا النيتشوية، من خلال، أناكسيماندر، الذي وصلنا فكره أساسا عن هذه الشذرة: “إن مكان نشوء الأشياء هو الذي يتوجب عليها أن تصل فيه إلى نهايتها، تبعا للضرورة. “الكوسموس واحد، ثم إن تلك الوحدة تغطي الخلق وخراب كل الكائنات، من خلال خفقات متتابعة، أو عبر موجات. لم يقل أناكسيماندر أن “الماء هو كل شيء”؛ فقد تخلص من العنصر الأولي على شاكلة وضع الوحدة ، فقد قطع العلاقة مع الظروف العادية للتجربة: بإمكاننا احتضان وحدة الكوسموس، بحسبه، من خلال مفهومه ل » Apeiron «، أو “غير المحدد” ، “اللامتناهي” .
    إن العالم المعروف، الكائنات الحية التي تحيط بنا، ونحن أنفسنا لسنا سوى تخصيصات أو تعبيرات محلية لهذا اللامحدود، أو الكائن البدائي، نحن نظهر ثم نغوص فيه مرة أخرى. وها نحن قد وصلنا ! لقد وجدت الفلسفة والميتافيزيقا أيضا في تلك الصيغ وثيقة ميلادهما. لقد زعم أرسطو بأن الميتافيزيقا كانت تأملا حول الكائن باعتباره كائنا؛ إلا أنها ليست تأملا لهذا النمط الذي يخطر ببالنا، حينما نبصر منظرا بحريا ونحن نرتشف كأس نبيذ الروزيه طريا جدا؟
    ــ
    مصدر النص: انظر سلسلة: La Méditerrané,mére de la philosophie ? موقع المجلة الفلسفية الفرنسية على النيت Philosophie magazine




يعمل...
X