لهفة مستحكمة بالقلوب والجيوب مختار الدبابي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • لهفة مستحكمة بالقلوب والجيوب مختار الدبابي

    لهفة مستحكمة بالقلوب والجيوب
    مختار الدبابي

    يشكون من كل شيء



    لا تسمع سوى الحديث عن غلاء الأسعار.. في المقهى الذي يمتلئ من الصباح بالزبائن، لا تسمع سوى الشكوى من الغلاء، هذا يتحدث عن الزيت وعن مواد التنظيف والشامبو وأواني الطبخ، والآخر عن البنزين، والآخر عن العلف. يقارنون بين هذه المغازة وتلك، والفارق في السعر والجودة، ثم يربطون ذلك بالأزمة العالمية وبالسياسة الداخلية، ولا أحد يرضيه العجب في رجب كما تقول العرب
    كسب التونسيون من ثورة 2011 ميزة الشكوى من كل شيء؛ إظهار التذمر والإرهاق وكراهية العمل (الخدمة)، انتقاد الرواتب بالرغم من أن الحكومات السابقة قد تعهدت بزيادات سنوية قارة لموظفي القطاع العام، لكن هؤلاء الموظفين يشعرون دائما بالجوع وبالرغبة في أن تضخ الوزارات زيادات ومزايا جديدة. ليس المهم كيف ولا متى، المهم هو أن ترفع من قيمة الزيادات.
    المقهى الكبير الذي يجتمع فيه التونسيون ويتبادلون فيه الشكاوى ويحصلون على أفكار جديدة لانتقاد الحكومات وتقصيرها، وليس تقصيرهم، هو فيسبوك، هذا الموقع الذي صار قبلة الكبار والصغار، الرجال والنساء، الموظفين والعاطلين عن العمل. الكل يبث همومه وشكاواه ويضخ لأصدقائه الافتراضيين طاقة سلبية أكثر ما يمكنه.
    وحين تسمع كل هذه الشكاوى، التي جعلت المواطن البسيط يبدو أكثر تطرفا من الأحزاب في نقد الواقع والمبالغة في توجيه الاتهامات، يذهب في بالك أن الناس في وضع صعب، وأن الجوعى بالآلاف إن لم يكونوا بالملايين.
    لكن الصورة غير ذلك، بل هي مناقضة لانتظارك.
    أولئك الذين يشتكون من أن الأسعار باتت أكبر من أن تتحملها الرواتب، وأن الطبقة الوسطى التي كانت تعيش منذ سنوات في رغد عيش باتت الآن مصنفة ضمن الفقراء الذين تجوز لهم الزكاة والصدقة..
    هؤلاء أنفسهم تجدهم يتسابقون لصرف الرواتب في المساحات الكبرى وفي الفنادق بالرغم من ارتفاع الأسعار، وفي رحلات فردية أو جماعية نحو البحر، وينفقون ببذخ كبير على الأعراس وكأنهم من سلاسة الملوك والأمراء. هم أنفسهم يتكدسون في المقاهي الفخمة والمقاهي الشعبية.
    وتسأل أين المشكلة إذا كان غلاء الأسعار لم يؤثر في حياة الناس، بمن في ذلك أولئك الذين يقطنون بالقرى والأرياف، فاللهفة هي نفسها، وإن كانت فرص الإنفاق أقل.
    النزعة الاستهلاكية تسيطر على الناس، والإعلانات التي تملأ الشوارع والتلفزيونات ومواقع التواصل تسيطر على الجميع، خاصة مع وجود مغريات جديدة بينها خدمة التوصيل إلى البيت. لقد باتت البوتيكات في مواقع التواصل أكثر إغراء ومرونة وقربا من المستهلك، وأكثر قدرة على سلبه أمواله بيسر ودون أي تفاوض مع البائع مثلما يحصل عادة.
    اللهفة مستحكمة في القلوب بقطع النظر عما يوجد في الجيوب والحسابات البنكية.







يعمل...
X