ماذا نحذف من الرواية أو النصوص الأدبيّة؟

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • ماذا نحذف من الرواية أو النصوص الأدبيّة؟



    ماذا نحذف من الرواية أو النصوص الأدبيّة؟
    وارد بدر السالم 18 يناير 2024
    آراء
    نسج باوند قصيدة إليوت "الأرض الخراب" بإبرة الحائك الفهيم
    شارك هذا المقال
    حجم الخط


    فرضية أنّ المحوَ هو إضافة تبدو في السياق النهائي لا لبس فيها، كما تبدو صحيحة إلى حد يمكن أن نعدّها وسيلة من وسائل التصحيحات المطلوبة للأعمال الأدبية. ولكنها ملتبسة الفهم على طيفٍ واسع من الأدباء. إذ يصوّرها البعض على أنها لا تُقيم للإلهام أهميةً واعتبارًا، كونها تشكل حاجزًا لتدفق الكتابة الحرة وتحُول بينها وبين العطاء الإبداعي الحر، وتُجزّئ عناصر السرد إلى وحدات غير حيّة في ذاكرة الكاتب، بينما يجدها الآخر علامة من علامات المراجعة المطلوبة، بما نسميه الحذف الفني الذي يتطلع إلى تماسك النص بشكل أساسي واستحداث آلية فنية فيها من الاقتصاد والتكثيف ما يجعل النص الأدبي رشيقًا بلا ترهلات لغوية فائضة عن حاجته، في الوصف والحوار والاسترجاعات والتداعيات والاستباق والإخبار، فيما يخص السرديات الروائية في الأقل من دون غيرها من الأجناس الأدبية.

    أما عن الشعر، فهو ذو كثافة ملحوظة، معتمدًا على إرساليات الصور الشعرية ولغة مناسبة قابلة للتأويل والمداخلات والإيماء. كما نلاحظ عادةً بأن لغته دالّة وموحية ومكثفة في الوقت ذاته. لا يميل إلى الإسهاب لأنه ليس حدثيًا بالمعنى السردي، والقليل منه يتوجب إعادة النظر في استرسالاته. بمعنى إعادة النظر في اجراءاته الصورية ذات الأفعال المتراكمة، في انطلاقاته النفسية، أو التاريخية، أو المستقبلية عندما ينظر اليها على أنها مجاز إيحائي دال لمدلولات فعلية. وهذا رأي من الآراء الكثيرة التي تعالج موضوعة المحو أو الحذف أو إسقاط ما يستدعي إسقاطه من النص الإبداعي. في حين أنّ بقية الأجناس الأدبية تراوح في هذا اليقين الفني بين التكثيف والإطالة لرصد الصورة الأدبية واستجلاء مفاهيمها، وتسريع أو إبطاء حركتها تبعًا لموضوعتها، كالمقال النقدي والمسرحية، بما يعزز كيانها الشخصي في الوصول إلى هدفها. وقد تكون مثل تلك الإجراءات، كما ينظر اليها البعض، بأنها متعسفة إلى حد ما، بينما تكون ضرورة فنية هاضمة لثيمتها في إقصاء الزوائد والهوامش والاستطالات التي تفيض عادةً أثناء الكتابة، ومن ثم ترشيق شكلها بما يجعله أن يكون وعاءً مناسبًا لحركة الشخصيات في أدوارها السردية.
    "كانت توني موريسون رهانًا لبعض دور النشر على إمكانياتها الأدبية والنقدية والفنية في أن تساهم في "صنع" نص سردي موازٍ للنص الأصلي، لا للتفوق عليه، إنما لتجميله"
    إسقاط بعض الكتابة لا يعني قطع الاسترسال النصي فيها، ولا يعني محو جزء من فكرتها الجوهرية وثيمتها الشخصية، بقدر ما هو أحد الفواعل لترتيب النص، وإخراجه من فوضى التراكمات السردية والشعرية التي تُثقله بالتفاصيل التي لا وجوب لها في تنظيمه الأخير، لهذا نجد أن الحذف هو بناء آخر يوازي النص ولا يتسلط عليه. يقلّص من سُمنته ولا يُضعفه. وعلى هذه الفكرة الإيجابية وُجِدت فكرة "المحرر الأدبي" التي جاءت على وفق هذا النظام الفاعل في تخليص النص من زوائده. وهي فكرة غير منتشرة عربيًا، انما جربها الغرب الأدبي ونجحت إلى حد كبير. إذْ كان التعامل صارمًا وحساسًا حتى مع الأسماء الكبيرة، فالمحرر الأدبي بعيد عن الإلهام الذي يكتبه المؤلفون، لكنه متمرس كقارئ وناقد في النص الذي يُجاز له تحليله على وفق معطياته الفنية. والتحليل يقتضي محو وحذف الشوارد والزوائد عنه، لكي يستقيم من دون الحاجة إلى إفاضات سردية ونحوها، بل يدعو إلى تماسكه ورصْفه كالبناء المشدود إلى بعضه، لهذا فالمحرر مُراجِع ماهر يحفر في النصوص بطريقة ذكية ومسؤولة في وظيفة تشبه الصناعة الحاذقة، فيها إبداع وإلهام يوازي التأليف إلى حد ما، ورؤية داخلية وخارجية للنص، لغويًا وشكليًا ونقديًا، ويُمنح عادة صلاحيات كبيرة في تحديد أسس النص المخطوط قبل طباعته. بمعنى أن لماحيته النقدية تهيمن على النص، وتخرجه من فوائضه، وترتّب أوضاعه بطريقة ماهرة، لا كتأليف آخر كما يعتقد البعض، إنما هو محاذاة للنص بطريقة نقدية، كالنحّات الذي يستخرج وجهًا واضحًا اختبأ في جذع شجرة. ولدينا بعض الأمثلة الموازية لهذه الفكرة التي لا تُهضم عربيًا، بسبب كبرياء المؤلف- لا كبرياء النص، في حين نجدها سلوكًا أدبيًا فعّالًا في فضاءات أدبية أجنبية، من دون الحاجة إلى تلك الكبرياء التي نجدها عند المؤلفين العرب وسواهم، ممن يعتقدون أن الخلاصات أو التصحيحات الأدبية هي تشتيت النصوص وإضعافها، أو تُعد تدخلًا لا مبرر له في مزاج النص والمؤلف معًا.

    من أشهر المحررين الأدبيين الروائية الأميركية توني موريسون، التي كانت رهانًا لبعض دور النشر على إمكانياتها الأدبية والنقدية والفنية في أن تساهم في "صنع" نص سردي موازٍ للنص الأصلي، لا للتفوق عليه، إنما لتجميله لو أمكن أن نقول هذا. وموريسون كانت محررة أدبية في بعض دور النشر الأميركية، فقدرتها التمييزية راقية في النظر إلى النص الأدبي بعين الناقد المحترف والقارئ المتمرس، لهذا خرجت من بين يديها روايات كبيرة بصناعة أدبية ماهرة. وفي هذا النسق لا ننسى عزرا باوند الذي راجع إحدى قصائد أليوت فنسجها نسجًا بإبرة الحائك الفهيم، ونتذكر إهداء إليوت إليه والذي عدّهُ "الصانع الأمهر"، عندها نعرف بأن الحذف المطلوب في النص هو صناعة أدبية على درجة كبيرة من الجودة، لضمان خروجه بحُلّةٍ أبهى وأقوى وأنضج. وإسقاط التداعيات التي تنشأ أثناء الكتابة، من دون أن يكون لها تأثير فعلي على سياقات السردية مهما كان نوعها الأدبي. وبالتالي يمكن فهم كيف أن الإلهام توازيه الصناعة الأدبية الاحترافية، البعيدة عن الإلهام الذي يخضع المؤلف إلى شروطه النفسية الداخلية.
    أجبر المحرر ماركيز على تغيير عنوان روايته من "براز" إلى "في ساعة نحس" بل حتى روايته النوبلية "مئة عام من العزلة" حذف منها المحرر مئة صفحة
    من الطبيعي جدًا أن نذكر الروائي ماركيز، وهو العَلَم الروائي العالمي، عندما أرسل مخطوطة روايته "براز" إلى إحدى دور النشر الكولومبية، غير أن محرر الدار اعترض على العنوان؛ منها أسباب تسويقية، وأجبر ماركيز على تغييره إلى "في ساعة نحس" بل حتى روايته النوبلية "مئة عام من العزلة" أخضعها المحرر إلى مشرط التصحيح والتعديل وحذف منها مئة صفحة كما يُقال. وهذا الحجم غير القليل من الأوراق كبير لا يمكن لماركيز أن يكون قد كتبه عبثًا في لحظات الكتابة المتدفقة، لكنه امتثل إلى فكرة المحو والحذف، فهو بارع في فهم تشتت الجزئيات السردية التي انتبه اليها المحرر، فالتدفق النصي ربما فقد بعضًا من شروط الاتصال مع دراما الكتابة. وعندما وافق على الحذف، وافق على فكرة أنّ ليس كل ما يُكتب يكون ضروريًا ومساعدًا في نمو النص. لهذا نجد التواصل المبدئي الصريح بين المحو والكتابة، بأنّ المحو والحذف يحتاج إلى شجاعة أدبية ونفسية لقبوله، وهذا ما نشير اليه بوضوح، مع هذا المثال العالمي المعروف.

    وجوب المحرر الأدبي ضرورة تصحيحية، ويمكن إضافة بأنه ضرورة مساعدة للنص الأدبي، لا سيما الروائي منه. إنه ظل الكاتب الأساسي. شبح غير معروف للقارئ وهو يساهم في صنع عجائب النصوص بتمامها وكمالها. يمكن تشبيهه بالنجار المتمرس الذي يعي مهمته باجتياز محنة الكاتب الذي تتدافع بين يديه الصفحات في لا وعي الكتابة وتواترها. لهذا نرى أن الصرامة المبدئية مطلوبة في صناعة كهذه بوصفها حساسية تالية تتضامن مع المؤلف في ما يُنتجه من نصوص أدبية. إنها حساسية قارئ ذكي، لكنه ليس أكبر وأنضج من الكاتب بالضرورة، غير أنه صانع أمهر بإزالة الشوائب العالقة في كأس الماء.

    ليس الحذف هو الإيجاز، أو تقليل الصفحات، أو العبور على ضفة النص إلى ضفة أخرى؛ انما هو ضبط النص، وإزاحة الترهلات عنه، وتوطيد زواياه الجمالية وأركانه المتباعدة والمتقاربة. وبالتالي يكون الحذف مساويًا لما تبقى من النص الأصلي، إن لم يتفوق عليه في بعض الأحيان، وبالضرورة كان حذف مئة صفحة من رواية ماركيز أمرًا ليس سهلًا عليه، لكنه كان يثق بأن المحذوف من سرديته الروائية الطويلة، وإن كان ليس قليلًا، لكن ضرورات الفن اقتضت أن يكون الحذف ملزمًا له، ومن هنا نستشف مقدار تفهم ماركيز لأهمية الحذف الفني الذي طاول روايته النوبلية وكان يذكره دائمًا في لقاءاته الصحافية، ليعزز قيمة الحذف وفاعليته في الجسد السردي.

    الحذف الفني إضافة نوعية للنص الأصلي. هذا في ما نراه في الأقل.

    هوامش:
    • توني موريسون: روائية أميركية- أفريقية. وهي الكاتبة السمراء الوحيدة التي حصلت على جائزة نوبل في الآداب عام 1993. كما حصلت على جائزة بوليتزر عن روايتها "أن تكون محبوبًا". أصدرت 11 رواية منها: أكثر العيون زرقة - نشيد سليمان- صولا- طفل القطران.
    • عزرا باوند: شاعر وناقد أميركي. عُدّ أحد أهم شخصيات حركة شعر الحداثة في الأدب العالمي في أوائل وأواسط القرن العشرين، مشاركته الشعرية بدأت مع تطور التصويرية، وهي حركة مشتقة من الشعر الصيني والشعر الياباني وتشدد على الوضوح والدقة مع الاقتصاد باللغة.
    • إليوت: شاعر ومسرحي وناقد أدبي حائزٌ على جائزة نوبل في الآداب -عام 1948.
    • ويكيبيديا – الموسوعة الحرة.


يعمل...
X