معرض فوتوغرافي معاصر عما هي أميركا

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • معرض فوتوغرافي معاصر عما هي أميركا

    "أسمع أميركا تغني".. معرض فوتوغرافي معاصر عما هي أميركا
    عبدالله البياري
    فوتوغراف
    (ميلي تيبس ـ 4)
    شارك هذا المقال
    حجم الخط



    يستضيف المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة، في عمّان، معرضًا فوتوغرافيًا بعنوان "أسمع أميركا تغني"، لمجموعة من الفنانين/ الفنانات الأميركيين/ الأميركيات. وتنطلق مقولة المعرض الأساسية من تساؤل "ما هي أميركا؟"، في محاولة لجعل النص البصري الفوتوغرافي في المعرض محاولةً للبحث في التساؤل أعلاه، متوسلين بذلك أدوات فنية عدة، والأهم نقدية، لذلك الهدف.
    لعل التساؤل أعلاه عن "ماهية" أميركا، في مساحة قاعة المعرض، في المتحف، يخبرنا أن موقع التلقي لهذا السؤال في السياق العربي الحالي هو جزء أيضًا من العمل الفني ومقولته. فسؤال زائر المعرض لو كان قد أقيم في السويد، مثلًا، سيختلف من حيث موقعه ومساره وذاكرته عن سؤال زائر المعرض في عمان. ومن هنا نرى أن موقع تلقي السؤال/ العمل الفني هو جزء أيضًا منه. وعليه، يمكننا أن نصيغ تساؤلنا النقدي كالتالي: ماذا يرى الناظر إلى تلك الأعمال الفوتوغرافية عن "ما هي أميركا؟" في قاعة المتحف الوطني الأردني؟
    يحيلنا هذا التساؤل البدئي إلى أولى المفاهيم التي سنوظفها في هذا السياق بهدف تحليل النص البصري الفوتوغرافي (وليس المضمون البصري، بما هو النص شبكة علاقات)، وهو مفهوم التحديقة Gaze، الذي ساد في الدراسات السينمائية والبصرية ـ بارتباطه بمقولة العين والنظر. ويعود المفهوم إلى المنظر النفسي الفرنسي جاك لاكان، الذي جدد نظريات فرويد حول الليبيدو، وأسس لمفهوم التحديقة بما هو مرتبط بتكون الأنا والآخر، ومن هنا نفهم ارتباطه بالدراسات الثقافية، وما بعد الاستعمارية، والنقد النسوي. والتحديق يدفع بـ"اجتماعية" ما للإنسان وقيام مجتمع مدني، كما يخبرنا جان جاك روسو، فهو ـ التحديق ـ يرسم حدود الذات، وعليه فإننا بقدر ما نسأل ما هي أميركا، نحن نتساءل أيضًا من الذي يسأل عن أميركا، وهل هي أميركا التي في النص البصري أمام العين المحدقة؟
    يقول لاكان إن "النظر مشحون بقصد"، ويضيف "لا يمكنك النظر إليَّ من الموقع الذي أراك منه". هنا تبدأ اللعبة الإدراكية، بين الناظر والمنظور إليه، وهنا تبدأ المقولة الأساسية لهذا المعرض بتفكيك الموقعين معًا: الناظر والمنظور إليه.

    "يعود مفهوم التحديقة Gaze إلى المنظِّر النفسي الفرنسي جاك لاكان، الذي جدد نظريات فرويد حول الليبيدو، وأسس لمفهوم التحديقة بما هو مرتبط بتكون الأنا والآخر"


    "ما هي أميركا؟" هي غنائية للشاعر الأميركي والت ويتمان في القرن التاسع عشر، صيغت قبل الحرب الأهلية الأميركية مباشرة، والآن ننظر إليه بعيون مصورين فوتوغرافيين أميركيين قاموا بتفكيك تلك السردية الأميركية التي مرت بمراحل مختلفة منذ تلك الحرب الأهلية، وبالذات بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وبداية الترويج "للحلم الأميركي" في مرحلتين؛ الأولى مرحلة بوتقة الانصهار، حيث "الحلم الأميركي" الجامع ("أرض الأحلام" فيلم مصري أنتج عام 1993، بطولة فاتن حمامة، ويحيي الفخراني، يتحدث عن حلم الهجرة إلى أميركا)، في بلاد الحرية والفرص المفتوحة، وهي مرحلة لم تدم كثيرًا، لتأتي بعدها مرحلة "طبق السلطة"، حيث يتكون المجتمع الأميركي بفرادته من مكونات لا تختلط ببعضها تمامًا، كما كان الحال في بوتقة الانصهار، فيظل المكسيكي مكسيكيًا، والهندي هنديًا، والعربي عربيًا، لكنهم معًا، ومن دون اندماج تام، هم مثل طبق السلطة، الذي يتميز مذاقه باستقلالية مكوناته من دون اختلاطها بغيره.
    ما يقدمه المعرض هو قراءة لهوية "أميركا" من خلال حركتين أو اتجاهين أساسيين يتحرك عليهما السؤال "ما هي أميركا؟"، والحركة هنا هي مصدر من مصادر المعرفة النقدية، وهي أيضًا ثاني المفاهيم التي نحلل من خلالها النص البصري في هذا المعرض.
    صحيح أن الأعمال الفوتوغرافية في المعرض انقسمت إلى ثلاثة أشكال بصرية رئيسية: بورتريه، وتاريخ أميركي، ومناظر طبيعية، إلا أنه وباستدعاء مفهومنا أعلاه عن التحديقة، نجد أننا كناظرين نشتبك مع بنية النص البصري في الصور الفوتوغرافية ضمن حركة اتجاهات، وهي:
    1 ـ اتجاه رأسي/ عامودي، نجد عليه أنفسنا كناظرين من على محور رأسي ضمن/ في الصورة، وهنا نجد أعمال أليكس ماكلين (صورة 1) وميلي تيبس (صور 2 و3 و4).

    (أليكس ماكلين ـ 1)
    (ميلي تيبس ـ 2)
    (ميلي تيبس ـ 3)



    2 ـ محور أفقي، نقع فيه كناظرين على الطرف الأفقي (تقريبًا) المقابل لمضمون الصورة، ومن تلك الأعمال ويليام ويلسن (صورتا 5، 6)، ووندل وايت (صور 7، 8، 9)، وغراسيلدا سان مارتن (الصورتان 10، 11)، ومرسيديس دورامي، وباميلا بيتشيو، وخافييرا سيمونز، ووين هانج لين.

    (ويليام ويلسون ـ 5، 6)
    (وندل وايت ـ 7)
    (وندل وايت ـ 8)
    (وندل وايت ـ 9)
    (غراسيلدا سان مارتن ـ 10)
    (غراسيلدا سان مارتن ـ 11)
    كل حركة ضمن منظومة العلاقات الحيزية والاتجاهية والمكانية في النوعين السابقين تنتج شكلًا من أشكال التلقي والحفر في سؤال "ما هي أميركا؟".




    أولًا: الحركة/ الاتجاه الرأسي
    النظر من أعلى يفترض قوة ما في ذلك الموقع، فلطالما كانت الرؤية من أعلى لها قيمة "أسطورية"، بحكم أنها تحاول الانفصال عن عوارض الزمن والأحداث الفاعلة في المكان. فالارتفاع يتيح للناظر "قراءة العالم أمامه، وأن يصبح عينًا شمسية، أو نظرة إلهية" (أرسطو)، والنظرة العلوية تلك هي نظرة إجمالية شاملة، لكن الأهم أنها أيضًا استبدادية تعصف بالاختلافات والخصوصيات والقصص والتنوع والمسارات. هي نظرة مأخوذة باستراتيجيات السيطرة. يتضح الأمر جليًا باستدعاء مجازي لإيكاروس في الأسطورة اليونانية، والذي أغوته السيطرة على المكان من علٍ حتى أحرقته الشمس، في مقابل والده المعماري ديدالوس الذي بقي أرضًا. لا شك في أن البعد اللاهوتي الرأسي كان له وزن ثقيل في التصورات الهندسية المعمارية، وهو ما يتضح في الصورة (1)، لأليكس ماكلين، المعروضة في المتحف، والتي نرى درجات الهيمنة المعمارية التنميطية على المكان، وهو ما يتجلى واضحًا في أعمال ماكلين الفوتوغرافية. إلا أن هذه النظرة المهيمنة، أو العين الحلولية، نجد تمثلاتها على نص بصري آخر، هو المنمنمات في العصر الوسيط، حيث أن كل مكان في النص البصري ينعكس على العين الرأسية الرائية، وهو أمر يمكن تتبع تداعياته في تاريخ العمارة الرأسية (مآذن المساجد والمعابد، وكذلك معمارية الرأسمالية الصرحية، وغيرها نماذجًا).

    ""ما هي أميركا؟" هي غنائية للشاعر الأميركي والت ويتمان في القرن التاسع عشر، صيغت قبل الحرب الأهلية الأميركية مباشرة، والآن ننظر إليه بعيون مصورين فوتوغرافيين أميركيين قاموا بتفكيك تلك السردية الأميركية"


    في نموذج فوتوغرافي رأسي/ عامودي آخر من المعرض، نجد أعمال ميلي تيبس (الصور 2،3،4)، التي تواجه السلطة المكانية العلوية في النظر من أعلى، من خلال توظيف عنصر آخر وهو الخطوط، أو كما تقول وثائق المعرض، فإن تيبس تنتقد هذا النوع من التصوير الفوتوغرافي "للمناظر الطبيعية من خلال التلاعب الجسدي بعملها باستخدام الأوريغامي". وتلك طريقتها في تكسير النظرة المهيمنة من أعلى، والتي هي في أساسها نظرة أيديولوجية، ترصد الظواهر من أعلاها وخارجها. لكن تيبس تطرح منظومة هيمنة أخرى بديلة، وهي الخطوط المنتظمة، الهندسية، أي أنها تبدل منظومة هيمنة بأخرى، بل وتنشبك معها. فكل الخطوط التي أنتجتها الأورغامي، أو تلك التقسيمات الهندسية في أعمال تيبس الأخرى، تهدف إلى استيعاب المكان واحتوائه ضمن مساحات هندسة، وهذا يذكرنا بالهوس الحداثي التاريخي بالخرائط، كمنتج بصري مكاني.




    ثانيًا: الحركة/الاتجاه الأفقي
    قبل أن نبدأ في تتبع هذا الخيط/ الخط الأفقي في اتجاه التحديق في بعض الأعمال الفنية في المعرض، نشير إلى ظاهرة أساسية في النقد الأدبي يمكننا تتبع ظلالها في هذا المعرض. في المادة التعريفية بالمعرض والأعمال الفوتوغرافية، وفي مفتتحها يرد التالي:
    "ما هي أميركا؟ بالنسبة للشاعر والت ويتمان في القرن التاسع عشر، كانت أميركا عبارة عن مجموع أفرادها العاملين لبنائها بتناغم... أشاد شعره بالمثل الديموقراطية لإعلان الاستقلال الأميركي، والمساواة الطبيعية بين جميع البشر". وفي موضع آخر من المادة نفسها، يرد ذكر شاعر أميركي آخر، هو لانغستون هيوز، وقصيدته الأولى "التي كتبها عام 1925، عن التمييز الذي واجهه الأميركيون من أصول أفريقية". يذكرنا هذا الاستدعاء لهذين الشاعرين، والمسافة التاريخية بينهما، بمفهوم "قلق التأثير" The Anxiety of Influence، والذي كان عنوانًا لكتاب أصدره الناقد الأميركي الشهير هارولد بلوم عام 1973، قدم فيه تلك النظرية القائمة على عقدة أوديب التي سبق لفرويد أن أسهب في تحليلها وتوظيفها. وملخص نظرية بلوم هو أن كل شاعر إنكليزي، أو أميركي، منذ ظهور الشاعر الإنكليزي ميلتون في القرن السابع عشر، يعاني من قلق ناشئ عن كونه تاليًا زمنيًا لشعراء سابقين له، قلق شبيه بعقدة أوديب في علاقته بأبيه. وتلك الصلة بين الشاعر اللاحق والسابق تتم عبر قصيدة أم، أو مجموعة قصائد للشاعر السابق ـ الذي يمثل دور الأب ـ تولد لدى الشاعر الابن أحاسيس يمتزج فيها الحب والإعجاب بالحسد والخوف، وربما الكراهية أيضًا.
    باستعارة منطق القلق الذي أشار إليه بلوم، يمكننا تتبع مخزون القلق في الأعمال الفوتوغرافية في معرض "ما هي أميركا؟"، من خلال "الاستجواب الحاد للهوية الأميركية، وأيديولوجيتها"، ورصد أشكال للتوتر والقلق ليس فقط بين الحضارة والطبيعة، كما تخبرنا الأوراق التعريفية بالمعرض، لكن كذلك على مستوى المونولوج الهوياتي الأميركي.
    ولنتأمل أولى النماذج التي نرى أنها تجسد "قلق التأثير"، لكن في وجه مقولات حداثية أساسية، وهي مقولة الدولة الحديثة، التي تنصب نفسها إجابة وشكلًا أوحد لسؤال الهوية. مجموعة الصور بعنوان "الحريات الأربع" لهانك ويليام توماس، وإيميلي شور، بالتعاون مع إريك غوتسمان، (صورة 12)، هي تحوير بالنقد الهدام على عمل فني سابق لها بالعنوان نفسه لنورمان روكويل، احتفاءً بالديموقراطية الأميركية عام 1943، في مواجهة انتشار الفاشية في أوروبا (صورة 13)، لتجسد الحريات الأربع التي أعلنها الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، في خطابه الشهير عام 1941.

    "باستعارة منطق القلق عند الناقد هارولد بلوم، يمكننا تتبع مخزون القلق في الأعمال الفوتوغرافية في معرض "ما هي أميركا؟""


    تصف مقالة التايمز (12 أكتوبر/ تشرين الأول 2018) أن "الحريات الأربع" لتوماس إنما تستدعي من تناستهم حريات روكويل البيضاء، أو كما يقول توماس نفسه: "في ذلك الوقت في أميركا، يبدو أن ما يعنيه أن تكون أميركيًا كان أن تكون أبيض كأنغلو ـ ساكسوني".

    الحريات الأربع، لهانك ويليام توماس، وإيميلي شور، بالتعاون مع إريك غوتسمان (12)
    الحريات الأربع، لنورمان روكويل ـ 1943 (13)
    من طمستهم حريات روكويل الأربع هم من أعادتهم حريات هانك توماس ورفاقه الأربعة، لكن الطمس والإظهار هما سمة أساسية في مجتمع انبنى على إرث استعماري وكولونيالي بالأساس، وبدا أنه منذ أواخر القرن الماضي افتتح "كولونيالية متأخرة" (إدوارد سعيد).
    تعيدنا فكرة الطمس والإظهار في مبناها الأفقي، إلى سياسات الذاكرة المكانية/ المدينية، وتجسدها بوضوح صور وندل وايت (الصور 7، 8، 9). يستعيد وايت النص غير المحكي من المدينة الأميركية، التي قامت باعتبارها نصًا على سياسات الذاكرة والنسيان، وكذلك الطمس والإظهار، أو المحكي والمسكوت عنه. وايت صوّر المباني في الولايات الشمالية الشرقية مثل نيوجيرسي التي كانت في السابق مدارس منفصلة عرقيًا، ليعيد لسكان تلك المدينة أجزاءً مطموسة من نص مدينتهم أثناء يومهم الاعتيادي. ولنتخيل فعل المشي نموذجًا لممارسة مدينية.
    يقترح الفيلسوف الفرنسي ميشيل دو سارتو أن المشي في المدينة بمثابة كتابة بالأقدام، ولكنها مجازية وعفوية وتكتيكية، لا تترك أثرًا بيِّنًا كما هو شأن الكتابة بالحبر على الورق. يمكننا هنا مقاربة الكتابة بالحبر بالعمارة والعمران المديني، فالبنيان والعمارة كما الكتابة هو النص البصري المادي الملموس للسرد المديني. وما يقدمه وندل هو ببساطة كتابة تخيلية مغايرة للنص المديني، يمكن مقاربته خلال اليومي المعاش لسكان المدينة، كي لا ينسوا من سبقوهم من ضحايا الفصل العنصري.
    تلقي أعمال وايت بظلالها على نماذج معمارية ومدينية أخرى قامت على الطمس والإزالة، بغية التركيز على معالم ذاكراتية للحيز المديني، باعتبارها هي الذاكرة الأقوى، يحدث الأمر ذاته في كل المدن الفلسطينية، بأنماط وأشكال مختلفة.

    "يستعيد وندل وايت النص غير المحكي من المدينة الأميركية، التي قامت باعتبارها نصًا على سياسات الذاكرة والنسيان، وكذلك الطمس والإظهار، أو المحكي والمسكوت عنه"


    ثمة حركة أفقية أخرى توضح لنا "ما هي أميركا؟"، من خلال ما هو خارج الحركة والجسم المتحرك، وهو الحدّ. يتضح الأمر جليًا في أعمال غريسيلدا سان مارتن (الصورتان 10، 11) من الحدود بين أميركا والمكسيك، وتذكرنا تلك الصور بشعار حملة الرئيس الأميركي السابق الانتخابية: "لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى! فلنبنِ أسوارًا"؛ ويقصد أسوارًا تفصل بين الشعب كذات جوهرانية عظيمة، وآخر غريب (ليس) عظيمًا، من دون التأمل التاريخي ولا السياسي في بنية الشعب، كمقولة، ولا الآخر كمقولة يفترض أن تكون مقابلة. ومن هنا يمكن تأمل سياسات الحدود والمكان في أعمال سان مارتن كتمثيل مكاني/ مادي لعلاقة القوى على مستوى اللغة والمكان والإدراك، وعليه فإن تفكيك تلك العلاقة المكانية/ الجسدية/ العمرانية هو شكل أساسي من أشكال مقاومة هذا الخطاب النمطي عما هي أميركا؟ وتلك هي اللعبة البصرية اللونية الأساسية في أعمال سان مارتن الفوتوغرافية. لعلها تود الإحالة لقول مارتن هايدغر: "ليس الحدّ ما يتوقف عنده شيءٌ ما، الحدُّ كما أدرك الإغريق ما يبدأ شيءٌ ما حضوره". وإذ ثمة قرابة مطموسة بين المكان والأبجدية؛ فإن سياسات المكان الحدودي الذي أطلعتنا عليه سان مارتن، لا تنحصر بين الشعار (السياسي) كلغة، والحدّ ـ السور ـ كمكان (لغوي)، بل تمتد إلى خارج تلك المعادلة لترسم شكلًا إدراكيًا للذات والآخر أميركيًا، والمكان الذي يجمعهما، ولو أضدادًا، وتستند بالأساس على فكرة الحد، وما تستبطنه من فلسفة التعريف بالسلب: (إذا كان الآخر آخر، فأنا أنا)، التي ينتجها الحد ويديمها.
    في ارتحالنا البصري الأفقي/ الاتجاهي، كناظرين إلى الأعمال الفنية، يتوقف بصرنا أمام أعمال فوتوغرافية تستعيد أشكالًا تعبيرية من تاريخنا البشري المشترك، لكنه أيضًا مطموس. تلك هي أعمال خافييرا سيمونز (الصورتان 14، 15 أدناه)، وفيها تستدعي مسرحة سارة بارتمان التي قتلتها وشوهتها وانتهكتها التحديقة العنصرية الغربية لمدة تزيد عن القرن والنصف، شاركت فيها كل ديناميات الحداثة العنصرية من الطب إلى الترفيه إلى البيولوجيا، فبعد أن كانت ضمن تجارة الرقيق الهولندية، أصبحت مادة ترفيهية في سيرك الحيوانات المفترسة، وكذلك مادة لتجارة الجنس، ومن ثم مادة للتشريح الطبي بحجة أنها كائن أدنى، حتى أن رفاتها عادت من متحف التاريخ الطبيعي الفرنسي إلى قريتها في القارة السمراء بعد قضية دولية رفعها الراحل نيلسون مانديلا وربحها عام 2003.
    ما فعلته سيمونز أنها استعارت مسرحة بارتمان بطريقة أعطتها كولاجًا فنيًا مركبًا من عدة طبقات، أولًا، ويعتمد على تباين دراماتيكي بين القديم والجديد، والملون والأبيض والأسود، إلا أن طمس الوجه، يجعل من سؤال الهوية الفردية مركزية هنا، دون تغييبها، فالعنصرية بقدر ما هي جمعية تجاه عرقٍ ما، هي أيضًا فردية لأننا نخوضها بذواتنا. هذا التركيب والكولاج ما بعد الحداثي، يضمن لها جزءًا من حق الرد على الناظرين إليها في السياق الأميركي، فالفتاة في الكولاج الفوتوغرافي لها تاريخ، وهي أيضًا تحدق في الناظر إليها من خلال سردية ساهمت في تكوين أميركا كما هي.

    (خافييرا سيمونزـ 14)
    (خافييرا سيمونز ـ 15)
    في العلاقة مع الفوتوغرافيا، علينا أن نشير على الدوام إلى أن الفوتوغرافيا هي سلطة، فهي تجمد المكان والزمان معًا، وتعطينا مفهومًا سلطويًا يمتد من مركزية العين إلى الكاميرا، في علاقتنا بأمكنتنا، حتى المنظرة الأميركية سوزان سونتاغ تقول إن اختراع الطباعة ليس أكثر أهمية في التاريخ البشري من اختراع الكاميرا.
    تتلاعب ميرسيدس دورامي في أعمالها بمفهوم الذاكرة المكانية، فتضفي طبقات من المعاني على الأمكنة، وتستدعي رمزية اللون الأبيض والأسود النوستالجية، على أماكن ما بعينها. وكأنها تعطي الوجود الزمني لتلك الأمكنة، الخاص منها والعام، معنى زمنيًا آخر (الصورتان 16، 17).

    (ميرسيدس دورامي ـ 16، 17)
    ما تفعله دورامي أنها تمنح الأشياء البسيطة والصغيرة معاني أخرى، وعلاقات مغايرة بربطها فوتوغرافيًا بأناس آخرين، فكأن كتاب "تاريخ الشعب الإنكليزي" بالنسبة لـ"ما هي أميركا؟" البيضاء، في الصورة 17، قد احتوى سردًا مكتومًا لإحداهن لا نعلم من هي، لكننا نرى آثارها بواسطة طبقة فوتوغرافية بصرية جديدة.
    تتهدد بهذا الفعل سرديات هوياتية كبرى، كالتاريخ والدولة، ما يذكرنا بإضاءات الفيلسوف الفرنسي، فرانسوا ليوتار، في كتابه "حالة ما بعد الحداثة" (1979) عن السرديات الكبرى، يقصد بها التفسير السردي الذي يدّعي لنفسه مركزية متجاوزة للتاريخ، افتراضات تفسيرات للظواهر التي نعايشها، لا تقبل أي شكل من أشكال المعارف خارجها، كالرأسمالية والماركسية، وغيرها من سرديات كبرى تدّعي قدرة متجاوزة على تفسير الوجود الإنساني، والأهم أن تلك السرديات الكبرى لا تلقي بالًا، ولا تهتم بكتاب في مكتبتنا، أو وسادة على أسرتنا.
    في مقابل كل ذلك، يطرح ليوتار مفهومًا للسرديات الصغرى، أو السرديات المضادة، بوصفه بديلًا نظريًا ومعرفيًا مقابلًا للسرديات الكبرى؛ وهي خطاباتٌ تتشكل من جماعات ما بعينها، بحسب موقفها من ظاهرة وجودية ما؛ كالدولة والهوية.

    "يستحضر ويليام ويلسون في صوره الفوتوغرافية (صورتا 5، 6) الإرث المطموس من الدموية الأميركية، تجاه شعوب أميركا الأصلانيين ممن أسموهم "الهنود الحمر""


    تقول إيلا شوحط: "لا بد أن نطرح السؤال التالي في زمن تكررت فيه السرديات الكبرى للغرب مرارًا وتكرارًا، وإلى ما لا نهاية، عندما يتحدث ما بعد حداثي موثوق (وتعني ليوتار) عن "نهاية" السرديات الكبرى، وعندما يتحدث فرانسيس فوكوياما عن "نهاية التاريخ": سردية مَن بالضبط، وتاريخ مَن على وجه التحديد ذلك الذي يعلنون نهايته؟ من الواضح أن أوروبا المهيمنة بدأت تستنفد الذخيرة الاستراتيجية من القصص، لكن شعوب العالم الثالث، ومجتمعات الشتات الأولى، والمرأة والمثليين/ المثليّات، بدأوا للتو في سرد قصصهم وتفكيكها".
    يبدو، إذن، أن أشياءنا الصغيرة باتت تصارع معنا هي أيضًا ضد تلك السرديات الكبرى، وتتخذ لنفسها موقعًا، وإن انفصل عنّا، إلا أنه يجعلها بؤرة سردية لنا، و/ أو علينا بشكلٍ ما أو بآخر، ولها قصة تخصها.
    في مشهد من مشاهد انهيار السرديات الكبرى، نستطيع أن نستدعي طقس تفكيك الرموز الذي قامت به باميلا بيتشيو في صورها الفوتوغرافية للآباء المؤسسين، التي تستدعي فيها رموز الدولة والتاريخ الأميركي، مفككة إياهم، كصورة لتمثال محطم، أو طقم أسنان سفلي مهمل، لأب مؤسس. ما يذكرنا بالمطالبات الأميركية بإزالة النصب التذكارية لكولومبوس وغيره من رموز الدولة والتاريخ الأميركيين.
    بينما يستحضر ويليام ويلسون في صوره الفوتوغرافية (صورتا 5، 6) الإرث المطموس من الدموية الأميركية، تجاه شعوب أميركا الأصلانيين ممن أسموهم "الهنود الحمر"، مستخدمًا في ذلك تقنية جديدة دمجت الحركة (الفيلم) والسكون (الصورة) في الفوتوغرافيا، فإن الأمر يشبه محاولات الفوتوغرافي الشهير جاك هنري لارتيج، الذي دمج الحركة مع السكون في صوره الفوتوغرافية، وما أسست عليه المنظرة والناقدة سفيتلانا بويم في كتابها عن النوستالجيا والحداثة، وكيف أن الحداثة تعاني مشكلة رئيسية مع النسيان. فالحركة التي يرصدها ويلسون تراكم دفعًا على محور الذاكرة والنسيان، يعيد للذاكرة الوطنية الأميركية ما حاولت نسيانه، فكأي أمة حديثة تبدأ سياسات الذاكرة والنسيان تشكيل الذاكرة الوطنية، وبالذات بعد الأحداث التاريخية الكبيرة، كما حدث في روسيا مع الإرث الستاليني، وفي أوروبا مع إرث الحراكات النازية والفاشية.
    نتذكر هنا دعوة ماكسين هونغ كينجستون لإعادة تأهيل الذاكرة الأميركية الجمعية من خلال استعادة إرث السكان الأصلانيين لتلك البلاد ضمن زمنية الدولة الرسمية، التي تتعامل مع عناصر هويتها بدرجات مختلفة من الطمس والتغييب، فمثلًا، نقول إن السود في أميركا مهمشون، وأما "الهنود الحمر" فمنسيون منذ لحظة نطق الاسم المتحيّز، فمن أوصل أوباما إلى أرفع منصب في البلاد ليس أن الولايات المتحدة تخلت عن إرثها الأبيض العنصري، لكنها استدعته بقناع أسود كما يصف الأمر نعوم تشومسكي، لكن في حالة "الهنود الحمر"، لا يعدو الأمر في تذكرهم تسمية أدوات الكولونيالية الأميركية المتأخرة بأسماء قادتهم ورموزهم، كمروحيّة الأباتشي مثلًا!
    هذا الشكل التفاوضي مع التاريخ، أو المونولوغ الذاتي الداخلي مع الهوية، إلى أين سيصل ما لم تكن الهوية على الدوام ارتحال وحركة، وهو ما يقدمه التساؤل: "ما هي أميركا؟"، حين تغني!
يعمل...
X