القيروان Kairouan مدينة في تونس بناها القائد الفاتح عقبة بن نافع سنة 50هـ

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • القيروان Kairouan مدينة في تونس بناها القائد الفاتح عقبة بن نافع سنة 50هـ

    القيروان
    القيروان مدينة في تونس، بناها القائد الفاتح عقبة بن نافع[ر] عندما عينه الخليفة معاوية بن أبي سفيان أميراً لإفريقية وقيادة الفتح فيها سنة 50هـ.
    اتجه عقبة من مقره في برقة إلى موقع قمونية حيث بنيت فيما بعد مدينة القيروان، وكان هذا الموقع هو نفسه الذي نزل فيه من سبقه من فاتحي إفريقية، ولم يلق عقبة مقاومة تذكر في زحفه إلى هذا الموقع لانشغال البيزنطيين بإخماد ثورة قامت ضدهم في صقلية. ولأن عقبة بن نافع كان أكثر جند مصر اتصالاً بإفريقية وأشدهم تعلقاً بفتحها وأطولهم مقاماً في ربوعها، فقد كان أقربهم إلى فهم طبيعتها وطبيعة أهلها، ومن ثم فطن إلى أهمية بناء بلدة للمسلمين تكون محطاً لرحالهم، ولاسيما أنه أدرك أن إفريقية إذا دخلها إمام أجابوه للإسلام فإذا تركها رجع من كان أجاب منهم لدين الله إلى الكفر، فرأى أن يتخذ للمسلمين مدينة تكون عزاً للإسلام إلى آخر الدهر.
    أُنشئت القيروان في موضع ملائم لظروف الفاتحين في تلك الفترة فهي بعيدة عن البحر إلى حد يجعلها في مأمن من غارات الأسطول البيزنطي عليها، وغير واغلة في الداخل خشية هجمات البربر، وقريبة من السبخة كي ترعى الإبل فيها بأمان، وكما هي الحال في كل المدن التي بناها المسلمون قواعد لهم بنى عقبة المسجد وقصر الإمارة قبل كل شيء.
    استتبع إنشاء القيروان نتائج على درجة كبيرة من الأهمية سواء في موقف المسلمين من المغرب أم موقف المغرب من المسلمين؛ إذ لم يكد يتم تخطيطها حتى ظهرت ولاية إفريقية، وبدأت أنظار العرب تتجه إليها إذ أصبح لهم فيها عاصمة ومركز يتبعه الإقليم المحيط به، يقول ابن عذاري: «عندما أخذ العرب في بناء السور والمساجد والمساكن شدّ الناس المطايا من كل بلدٍ إليها».
    لم يكد بناء المدينة ينتهي سنة 55هـ/675م حتى عُزل عقبة وعين والي مصر مولاه أبا المهاجر دينار الذي وصل في فتوحه إلى أبواب تلمسان، ثم أعاد الخليفة يزيد بن معاوية عقبة بن نافع إلى ولاية إفريقية سنة 61هـ/680ـ 681م، ليقوم بحملته المشهورة التي اخترق فيها المغرب حتى أقصاه ليصل إلى المحيط الأطلسي، وفي أثناء عودته وعند مدينة تهودة فاجأ كسيلة زعيم قبيلة أوْرَبه مع حلفائه الروم عقبة؛ حيث استشهد هو ومن كان معه من الجند سنة 65هـ، ودخل كسيلة القيروان، وبقي أميراً فيها حتى سنة 69هـ؛ إذ قُتل في المعركة التي خاضها مع القائد زهير بن قيس البلوي، وفي ولاية حسان بن النعماني الغساني، استقامت ولاية إفريقية للعرب سنة 82هـ بعد أن استولى على قرطاجة عاصمة إفريقية البيزنطية وقضى على الكاهنة التي كان الروم يخشونها والبربر مطيعين لها.
    نعمت القيروان بالسلم أربعة عقود قبل أن يهددها الخوارج الصفرية من زناتة وهوّارة سنة 124هـ، ولكن الوالي حنظلة بن صفوان تمكن من الانتصار على جيشين لهم بمعونة أهل القيروان وسحق كل واحد منهما على انفراد، الأول في الأصنام على بعد مرحلة من القيروان والثاني في «القرن» على بعد ستة أميال أواخر سنة124هـ/742م.
    لم يحالف الحظ القيروان سنة 140هـ/757ـ 758م عندما نجحت قبيلة ورفجومة الزناتية الخارجية باحتلال المدينة والتنكيل بأهلها، ثم استخلصها منهم أبو الخطاب رأس الإباضية في صفر 141هـ، ونجح الوالي العباسي محمد بن الأشعث من القضاء على أبي الخطاب وقتله في مدينة سرت أوائل سنة 144هـ، ودخل القيروان، وفرض فيها سلطان العباسيين، ولكن العباسيين لم يستطيعوا الحفاظ على سلطانهم في القيروان تجاه شغب الجند في الداخل وهجمات الخوارج من الخارج إلا من خلال حكم عائلة المهالبة التي اشتهرت في المشرق قبل ذلك بطول باعها في محاربة الخوارج، وقد حكم عدد من أفرادها في القيروان تباعاً مدة ربع قرن من سنة 154هـ إلى سنة 178هـ، وكان أشهر هؤلاء المهالبة يزيد بن أبي حاتم[ر] الذي تمتعت القيروان في عهده بهدوء نسبي، وبدأت تحتل المركز الفكري الذي ستعرف به في عهد الأغالبة[ر].
    عاد الاضطراب يحل بالمدينة بعد المهالبة، ولم تستقر الأمور إلا عندما عين الخليفة هارون الرشيد سنة 184هـ إبراهيم بن الأغلب أمير الزاب أميراً على ولاية إفريقية، فكان حكم ابن الأغلب بداية لحكم أسرة قوية استمر حكمها حتى سنة 296هـ.
    الجامع الكبير في القيروان
    في عهد الأغالبة قام اتصال نشط بين القيروان ومراكز الثقافة في المدينة المنورة والديار المقدسة والعراق، ذلك أن القيروان كانت عاصمة دولة الأغالبة وبالوقت نفسه مركزاً أساسياً ومحطة كبيرة للتجارة مع إفريقيا السوداء، ونتيجة ذلك ظهرت في القيروان كل التيارات الفكرية المعروفة في المشرق والمغرب على السواء في المجالين الديني والدنيوي، وبرز فيها أعلام في هذين المجالين تجاوزت شهرتهم وتأثيرهم ولاية إفريقية وخاصة باتجاه الغرب في بقية الشمال الإفريقي والأندلس، ولعل أهم هؤلاء في الفكر الديني، أسد بن الفرات[ر]، وعبد السلام بن سعيد التنوخي الملقب بسحنون[ر]. أما في المجال الدنيوي فقد تمثل بانتقال علم الطب من بغداد إلى القيروان بشخصية إسحاق بن عمران الذي عمّ أثره المغرب.
    وكان العمران الديني من أكثر آثار الأغالبة خلوداً وبقاء فزيادة الله الأول (201 ـ 223هـ/817ـ 838م) هدم مسجد القيروان الذي بناه عقبة بن نافع واحتفظ بالمحراب فقط، وأقام في قاعة الصلاة عدداً كبيراً من الأعمدة الرائعة التي أحيط أطرافها بأشرطة من الخشب ذي التزيينات المحفورة، وقام بعض خلفاء زيادة الله فيما بعد بإضافة عناصر عمرانية وتزيينيّة جديدة إلى المسجد أضفت عليه بذلك كل الملامح الأساسية التي بقيت حتى هذا اليوم.
    في سنة 296هـ؛ أنهى الفاطميون حكم الأغالبة ودخل الخليفة الفاطمي عبيد الله المهدي القيروان في 20ربيع الآخر سنة 297هـ، وفي سنة 309هـ استقر المهدي في عاصمته الجديدة المهدية وأصبحت القيروان مركز معارضة للحكم الفاطمي، وقاد هذه المعارضة الفقهاء المالكيون الذين كانت لهم أسبابهم الوجيهة لمعاداة الفاطميين، ولعل الخلافات العقائدية بين الفاطميين وفقهاء المالكية كانت الأكثر إثارة للمشاعر وتهيجاً للخواطر، ولذلك تحالف الفقهاء مع الخارجي أبي يزيد مخلد بن كيداد المشهور بصاحب الأنان، ونجحت الحركة واكتسحت مدن المغرب الأدنى كلها حتى فرض قائدها الحصار على مدينة المهدية ذاتها قرابة عشرة أشهر، وعندما قضى الخليفة الفاطمي المنصور بنصر الله على الثورة سنة 336هـ اعتمد الفاطميون بعد ذلك لتحقيق إعادة نفوذهم على قاعدتهم الأصلية إفريقية على قوى برزت في أثناء ثورة صاحب الأنان، وهي قوة بني مناد الصنهاجيين بقيادة زيرى بن مناد، وحينما انتقل الخليفة الفاطمي المعز لدين الله الفاطمي إلى مصر سنة 362هـ أناب عنه في حكم ولاية إفريقية أتباعهم من بني زيرى الصنهاجيين الذين استمروا في السير على سياسة الفاطميين نفسها.
    في عهد الأمير المعز بن باديس (406 ـ 454هـ/1015ـ1062م) حدث الانفصال عن الفاطميين، عندما وجد أن تبعيته للفاطميين كان فيها عبء عليه وغرم وليس فيها غنم ما دامت تجر عليه نقمة الناس في القيروان وغيرها من كبريات المدن كتونس، وكانت أولى النتائج لهذه العملية سيادة المذهب المالكي في ولاية إفريقيا، في حين كانت البلاد قبل قدوم الفاطميين تعجّ بالمذاهب الفقهية والفرق، أما النتيجة الثانية فكانت اجتياح الهلاليين لأراضي الدولة منطلقين من مصر، وكان أول الواصلين منهم بنو رياح وزعيمهم مؤنس الذي قرّبه ابن باديس وأصهر له وفاوضه في استخدام بني قومه بدلاً من الصنهاجيين، ولكن العلاقة لم تلبث أن ساءت وبدأت الحرب بين الطرفين، وانهزم ابن باديس أمام العرب فحاصروه في القيروان، وانتهى الأمر بالسماح لهم بالدخول إلى المدينة والتسوق فيها، وانسحب المعز إلى المهدية، في حين اشتبك هؤلاء مع السكان في الداخل فنهبوا المدينة وقضوا على عظمة القيروان.
    لم تحظ القيروان بالاهتمام في عهد الموحدين والحفصين. وفي سنة 982هـ/1574م، أنهى سنان باشا السلالة الحفصية في تونس ومعها السيطرة الإسبانية وتحولت تونس إلى إيالة عثمانية، وشهد حكم المراديين تدهور القيروان ولاسيما في عهد مراد بك (111ـ1114هـ/1699ـ1702م) الذي حاصرها لإظهارها العداء له، وفرض عليها ضريبة باهظة، وفي سنة 1113هـ/1701م أمر سكان القيروان بتهديم بلدتهم ماعدا المساجد والزوايا، فلما اغتيل مراد بك سمح خلفه إبراهيم الشريف للسكان أن يعيدوا بناء ما تهدم من مدينتهم.
    وقد استفاد سكان القيروان من تسامح مؤسس السلالة الحسينية، حسين بن علي (1117ـ1148هـ/1705ـ1735م) الذي أولى اهتماماً خاصاً لتعمير المساجد ولكن حكم حسين الثاني أفقر سكان القيروان نتيجة للضرائب الباهظة التي فرضت عليهم مما دفعهم إلى بيع بضائعهم ودوابهم لدفعها.
    في سنة 1881م، احتلت فرنسا تونس وأصبحت القيروان أكثر المراكز نشاطاً للدعوة إلى المقاومة، فقد عقد في القيروان في الجامع الكبير مؤتمر حضره ممثلو مختلف القبائل واتخذوا قراراً بالتدخل إلى جانب باشا طرابلس، ولكن التدخل لم يأت بنتيجة، والمقاومة العسكرية الفردية لم تكن ذات قيمة، فاستولى الفرنسيون على القيروان من دون مقاومة في 26 تشرين الأول 1881م. وفي20 آذار 1956 أعلنت فرنسا استقلال تونس ودخلت القيروان ضمن الجمهورية التونسية المستقلة.
    نجدة خماش
يعمل...
X