مسلسل "فوق السلك": الثراء لا يحقق السعادة بل تحققها القناعة والعلاقات الصادقة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • مسلسل "فوق السلك": الثراء لا يحقق السعادة بل تحققها القناعة والعلاقات الصادقة

    مسلسل "فوق السلك": الثراء لا يحقق السعادة بل تحققها القناعة والعلاقات الصادقة


    العمل يقدم نموذجا قويا لتشابك العلاقات الإنسانية وتأثير الميراث في القرارات الشخصية على حياة الآخرين.
    الجمعة 2024/03/22

    عمل يهتم بالقيم الأخلاقية

    الرباط - تدور أحداث مسلسل “فوق السلك” للمخرج نبيل بودرقة حول قصة مصطفى، الغني السبعيني المنهك الذي يعيش وحيدا في فيلا فخمة بمراكش، بعد أن جمع ثروته من شركاته، وعند وفاته يظهر أخوه إدريس، ويطرد جميع الخدم من الفيلا، لكن سرعان ما يتغير الحال مرة أخرى عندما يظهر المحجوب، محامي مصطفى، الذي يعلن لهم وجود رسالة تركها موكله يوصي لهم فيها بثلث ممتلكاته، بما في ذلك الفيلا والنصيب الأكبر من أسهم الشركة.

    المسلسل من إنتاج الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزيون، وسيناريو مأمون الناصري، ويشارك في التمثيل كل من فريد الركراكي، سحر الصديقي، جليلة التلمسي، عبدالنبي البنيوي، سعيد باي، نريمان سداد، هدى حاضر وآخرين.


    المال لا يمكنه شراء السعادة


    يقول المخرج المغربي نبيل بودرقة في تصريح لصحيفة “العرب” إن الرسالة المرجوة وراء قصة مسلسل “فوق السلك” هي أن “المال لا يمكنه شراء السعادة، وأن الثراء الحقيقي يكمن في القناعة والتفاعل الإنساني والقيم الأخلاقية، إذ إن السعادة لا تأتي من الأموال وإنما من العلاقات الإنسانية الصادقة والقيم الأخلاقية العميقة، فالجانب الاجتماعي الذي أفضله في الأعمال الدرامية هو موضوع الحب، إذ يمكنه أن يكون قوة محركة لتغيير الأوضاع الاجتماعية وحل المشاكل، وقد تجسد هذا الموضوع في الأعمال الدرامية كوسيلة لتوحيد المجتمع وبناء علاقات قوية بين الأفراد”.

    ويضيف المخرج أن “المشاهدين يمكنهم التعاطف مع شخصية مصطفى والتفاعل مع تجربته الشخصية والعواطف التي يمر بها، فالأشرار لا يولدون بل يتشكلون بناء على الظروف والتجارب التي يمرون بها، ومصطفى يظهر جوانب إنسانية متعددة تجعل المشاهدين يشعرون بالتعاطف معه، خاصة تجاه علاقته بعائلته وتفاعله مع الظروف الصعبة التي يواجهها”.

    ويقدم سيناريو مسلسل “فوق السلك” نموذجا قويا لتشابك العلاقات الإنسانية وتأثير الميراث في القرارات الشخصية على حياة الآخرين، كما هو الحال حول قصة الشقيقين مصطفى الذي جسد دوره الممثل محمد الشوبي وشقيقه إدريس الذي أدى دوره الممثل عبدالنبي البنيوي، إذ يقوم مصطفى بتسجيل كل ممتلكاته باسم العاملين في منزله، مما ينتج عن هذا القرار صدمة للشقيق الآخر إدريس الذي يكتشف أن العاملين قد أصبحوا شركاء معه في الإرث، مما يعيد ترتيب الأوراق في ما يتعلق بالوراثة والممتلكات.

    ويظهر الحوار تباينا في التفكير والمفاهيم بين الشقيقين، حيث إن مصطفى الذي سجل ممتلكاته باسم العاملين لديه، كانت لديه نظرة إيجابية نحو العلاقات العملية والمهنية بشكل أولي، بينما يتوقع إدريس أن يكون التركيز على العلاقات الأسرية والوراثية أكثر أهمية.

    ويطرح هذا النهج السردي أهمية التبعات القانونية والمالية للقرارات الشخصية، بعد اكتشاف أن العاملين في المنزل أصبحوا شركاء في الإرث، إذ يجب على إدريس تقسيم الممتلكات وفقا للقوانين والتشريعات المحلية، مما يعني أن نصيبه سيقل إلى ربع الممتلكات و15 في المئة من أسهم الشركات.



    كما تبرز الأحداث العلاقة بين الطبقات الاجتماعية، إذ تبرز في ترابط شخصيات الخدم مثل رشيد البستاني الذي لعب دوره سعيد باي وفاطمة الطباخة والتي أدت دورها الممثلة جليلة التلمسي ونرجس الخادمة التي أدت دورها الممثلة سحر الصديقي وأحمد السائق الذي أدى دوره الممثل فريد الركراكي وعادل البواب الذي أدى دوره عبدالرحيم التميمي، حيث يتقاسمون الباقي من الممتلكات، مما يبرز الفجوة الاقتصادية والاجتماعية بين الأصحاب والعمال، إذ تعكس الحبكة الدرامية عموما تأثيرات القرارات غير المتوقعة على الآخرين، وكيف يمكن أن تؤدي الاختلافات في الرؤى والقيم إلى تداعيات غير متوقعة في العلاقات الأسرية والمالية.

    يُظهر تمثيل محمد الشوبي وعبدالنبي البنيوي تباينا في الأداء، إذ يقدم كل منهما أداء معقولا يبرز طبيعة الشخصية التي يمثلها، والتفاعل مع الأحداث والتحولات من وجهة نظر تختلف حسب رؤيتهما للأمور التي تطرأ في المجتمع. ويكمن جزء كبير من التناغم بين الشخصيات في التوافق في التعبيرات الجسدية واللغوية، مثل مشاهد العلاقات مع الخدم، فعلى سبيل المثال، تعبيرات الوجه واللغة الجسدية عند محمد الشوبي (مصطفى) كانت توحي بقرب النهاية بشكل بسيط ومتوقع، ولكن عند الممثلة جليلة التلمسي (فاطمة) الطباخة، فهي تنقل المشاعر والمواقف بشكل أكثر واقعية، وخاصة في نظراتها إلى فريد الركراكي (أحمد) زوجها، في المقابل، تظهر كاريزما عبدالنبي البنيوي (إدريس) في الشر القادم في الأحداث من خلال نظراته الحادة في وجه الخدم، وعندما يتفاعل الممثلون مع بعضهم البعض بطريقة طبيعية ومتناغمة، فإن ذلك يعزز الانسجام بين الشخصيات.

    بالإضافة إلى دراما الفقد التي جسدتها هدى حاضر (سلوى) عند وفاة (مصطفى)، يبرز توازن بين شخصيات من طبقات مختلفة تنتمي إلى طبقات اجتماعية مختلفة يجمعهم الموت، وهذا يساعد على بناء قصة غنية ومتنوعة.



    ويتميز أسلوب إخراج مسلسل “فوق السلك” بتركيزه الفائق على روعة مدينة مراكش وبنيانها المزخرف من جهة، والتفاصيل البصرية والمشاهد القريبة والقريبة جدا على التعابير الفنية من جهة أخرى، مما يعزز من قوة الاندماج للمشاهد في عوالم الشخصيات وقصتهم، إذ يتم استخدام الإيقاع الزمني للأحداث بشكل متوازن لإبراز تطورات الحبكة الدرامية، كما يبرز تكوين اللقطات المتوسطة القضايا الاجتماعية مثل الطمع والأنانية في توزيع الميراث بوضوح، ولكنها تتميز بالتوازن الفني الذي يمكنه من إبراز الجانب الإنساني للشخصيات.

    ويعمل تكوين اللقطات في التصوير على تعميق الروابط بين الشخصيات وتعزيز الدراما، مما يضيف طبقات جديدة من التوتر والتعقيد إلى سيرورة الأحداث، وتسلط هذه اللقطات الضوء على التناقضات في الأبعاد النفسية والاجتماعية لأفراد المجتمع، بين الفقراء والأغنياء، الطموح والرضا بالقليل، والخير والشر، بصورة واضحة ومعقولة.

    ويتميز هذا الأسلوب في الإخراج بقدرته على جذب الانتباه وتحفيز العواطف، مما يجعل تجربة مشاهدة باقي الحلقات ممتعة ومثيرة تتيح للمشاهدين التفكير بعمق في القضايا الاجتماعية والأخلاقية المطروحة.


    عبدالرحيم الشافعي
    كاتب مغربي
يعمل...
X