"فتنة التخييل".. مقاربات في روايات كويتية

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • "فتنة التخييل".. مقاربات في روايات كويتية

    "فتنة التخييل".. مقاربات في روايات كويتية


    كيف كانت مواضيع وأساليب السرد في أعمال رواد الرواية الكويتية.
    الاثنين 2024/03/18
    ShareWhatsAppTwitterFacebook

    شخصيات روائية تكشف خفايا المجتمع (لوحة للفنان أنور سونيا)

    حققت الرواية الكويتية نجاحات عربية كبيرة، وكانت رائدة خليجيا فيما قدمته من مواضيع وأساليب مختلفة، جعلتها من أبرز الأعمال العربية، وهذا لم يأت من فراغ بل بتضافر الأسلوب المجدد والمواضيع المثيرة التي تجتذب القراء. ويأتي كتاب “فتنة التخييل” ليضيء على عدد من هذه التجارب.

    يتناول الناقد عبدالكريم المقداد في كتابه “فتنة التخييل” تجربة عدد من الروائيين الكويتيين في عدة تيمات ومحاور وجوانب إبداعية، برؤية نقدية متمكنة جاءت بالاستناد إلى اطلاع واسع وحثيث وصبور على المشهد الروائي الكويتي، فتناول هذا الكم من الأسماء والعناوين الروائية ليس عملاً عادياً وإنما هو عمل مكمل للعمل الإبداعي وإضاءة كاشفة على مفاصل وتقنيات وحيثيات الأعمال الروائية التي يضع الناقد مبضع قلمه عليها.

    حول مرتكزات السرد عن إسماعيل فهد إسماعيل يقول الناقد “يشغل الحوار الجزء الأكبر من نص رواية “كانت السماء زرقاء” حيث يتقزم السرد ويتراجع أمام سطوة الحوار الذي انقسم إلى قسمين: حوار مباشر يجري بين البطل والضابط الجريح، وحوار مستعاد يتداعى إلى ذاكرة البطل ليكشف جزئيات مهمة من الحكاية، ويلقي الضوء بشكل غير مباشر على ماضي البطل والمخاضات التي عملت على إيصاله إلى الوضع الراهن. حاضر وماض يتواشجان فيحملان الحكاية على جناحي الحوار.

    تبدأ الرواية من نهاية الحكاية المتمثلة بفشل البطل في الهروب من العراق إلى إيران بعد رصد قوة خفر السواحل قارب التهريب الذي كان يستقله وعدد من الهاربين، إذ تم القبض على مجموعة منهم، في حين نجا هو والضابط الجريح، بهذا الحاضر تنطلق الأحداث.
    تقنيات سردية



    ◙ الناقد عبدالكريم المقداد يتناول في كتابه تجربة عدد من الروائيين الكويتيين في عدة تيمات ومحاور وجوانب إبداعية


    ويشير الناقد إلى ولع إسماعيل فهد إسماعيل بتقنية المونتاج السينمائي منذ روايته الأولى “كانت السماء زرقاء” إذ عمد إلى تجزئة الحكاية وتوزيعها إلى مشاهد يتبدل معها الزمان والمكان، ولا يعني تتابعها التتابع الحكائي الكرونولوجي، فهذا مشهد يتابع الزمن الحاضر، يليه آخر ينفتح على الماضي، وذاك مشهد ينير العالم الخارجي للشخصية والحدث، يتبعه آخر يغوص في العالم الداخلي، وهكذا، كما أنّ هذه التقنية قد رافقت الكاتب في أغلب رواياته بعد ذلك حتى غدت من أبرز التقنيات السردية لديه.

    ويتناول المقداد في كتابه، الصادر عن دار خطوط وظلال، تجربة سليمان الشطي الروائية، فيرى أنّ الروائي يعتمد أسلوب المزاوجة بين الحاضر والماضي ويلقمهما سمّ إبرة واحدة يحيك بها النسيج الروائي بأناة، فتتبدى قطعة نسيج موشاة بلوحة فنية نابضة بحياة تجذب عيني الناظر/ القارئ إلى السباحة في بحر تفاصيلها.

    وقد تمكن بهذا الأسلوب من تغطية وقائع ثمانية وثلاثين سنة من حياة صالح في روايته الأولى “صمت يتمدد”، بدأت بعام 1984 وانتهت بعام 1986، معتمدا تكتيكا مغايراً للتراتبية في تجميع أجزاء اللوحة، حيث يبدأ الرواية بعام 1984 ثم ينتقل إلى عام 1959 وما يلبث أن يعود إلى عام 1984، ثم ينزلق إلى عام 1948 ليعود بعدها إلى عام 1984، وهكذا إلى أن تنتهي الرواية بوقائع عام 1953.

    يشير الناقد إلى أنّه بهذا التقديم والتأخير ضمّن الشطي جذب القارئ وإلهاب شوقه للاستمتاع برؤية اللوحة كاملة، تقصّد الابتعاد عن التسلسل الكرونولوجي للأحداث، واعتمد المداورة في تلقيم السرد إشارات خاطفة لمفاصل الحكاية، فراح القارئ يسرع الخطى خلف السرد للقبض على أسرار الحكاية التي لن يستوعبها إلا بعد الفراغ من قراءة الرواية كاملة.

    يتطرق الناقد تجربة ليلى العثمان الروائية في دراسة بعنوان “ليلى العثمان.. تقويض الإمبراطورية الأبوية”. بداية يشير إلى أنّ ليلى العثمان صارعت مفاهيم وعادات وتقاليد المجتمع التقليدي المتزمت، ناصرت المرأة المظلومة والرجل المغبون، وكشفت المسكوت عنه وقامت بتعرية المنظومة الاجتماعية في هذا المجتمع ووضعها تحت المجهر.

    في رويتها “وسمية تخرج من البحر” تنتقد العثمان المجتمع الأبوي المتزمت وتخلخل يقينيات ذلك المجتمع الغارق بمواريث السلطة الذكورية والموغل في مصادرة حرية المرأة ومنعها من الظهور والإصرار على كبت مشاعرها الإنسانية، فالأنثى بحسب هذا المجتمع عورة يجب سترها وإبعادها عن الأنظار فكيف والحال لعبدالله الفقير (ابن مريوم الدلالة) أن يحب “وسمية” ابنة التاجر الكبير والعائلة ذات الحسب والنسب؟ فهي ابنة الأغنياء وهو ابن مريوم الدلالة.

    ◙ المقداد يشير إلى أنه بدا جليا تهيب طالب الرفاعي في أولى رواياته “ظل الشمس” من الغوص في تلافيف التخييل

    لقد وفر عمل أمه كدلالة تساعد أم وسمية على القيام بأعباء بيتها الكبير، تربة خصبة لتآلف الطفلين عبدالله ووسمية ومن خلال قضاء وقتيهما في اللعب معا، ومع نموهما معاً تطورت العلاقة بينهما إلى حب عذري صاف، أججه حين البلوغ منعهما من الالتقاء، وفي غمرة جرأة متوثبة يتفقان على الالتقاء ليلاً عند البحر، بعيداً عن العيون، وأثناء تبادلهما الحب والشوق والأمل بتتويج حبهما بالزواج يفاجئهما حراس الشاطئ فلا تجد وسمية مخبأ يقيها الفضيحة إلا البحر، فتغوص فيه وهي لا تتقن السباحة، فتقع الكارثة التي اكتشفها عبدالله فور مغادرة الشرطة، سحب البحر وسمية وأغرقها ولم تبق منها إلا العباءة، “عباءتها السوداء تطفو.. يتلاعب بها الموج.. يشدها.. يقسو عليها.. ولا يحنو.. وأسرعت.. خطفتها.. شددتها إلي.. ظننتها وسمية تخرج من بحرها وتأتي.. تخرج من خوفها وتأتي.. لكن العباءة وحدها حضنتها.. تلمستها.. تلمستها.. تأكدت أنها فارغة بلا وسمية..”

    وسمية تدرك أنها لا تتقن السباحة، إذ منعتها التقاليد من ذلك، لكنها تدرك أيضا أنّ اكتشاف الشرطة لها مع عبدالله يمثل في المجتمع الأبوي الذي تعيش فيه فضيحة أشد وأنكى من الموت، فلا مفر لها إلا البحر للاختباء، باعتبار أنها إنْ قاومت البحر فهذه فضيحة لها مع وجود الشرطة هناك، وبالتالي إلى إلباس العار لكل أفراد الأسرة ما يجعل المعادلة تقضي بأقل الخسائر، وهو غياب فرد واحد عوضا عن غياب المجموع، ولهذا تبارك أم وسمية خطة أم عبدالله في سبيل حماية شرف العائلة فتعلن أنّ البحر هو من سحب وسمية بينما كانت تغسل شعرها فيه حين ذهبت إليه فجراً لغسل الملابس.

    ويشير الناقد إلى أنّ الروائية التزمت الواقعية، ولم تحاول تزيين النهايات على حسابها، ولذلك أغلقتها وأبقت على مأساويتها، فانتهت وسمية إلى البحر، وسليم إلى السجن ومستشفى الأمراض النفسية والعصبية.
    حفر في الزمن



    ◙ ارتضاء للبقاء على التخوم


    ويلقي المقداد الضوء على رواية “ظل الشمس” للروائي طالب الرفاعي ويشير إلى أنه قد بدا جليا تهيب الرفاعي في أولى رواياته “ظل الشمس” من الغوص في تلافيف التخييل الذاتي، فارتضى البقاء على التخوم، فهو يباشر الرواية لمؤلف وشخصية ثانوييْن فيها باسمه ووظيفته الصريحين.

    طالب الرفاعي مهندس مدني في شركة العقار والبناء، مدير مشروع القرين الإسكاني، ويضيف إلى ذلك هويته الحقيقية ككاتب ألف مجموعة قصصية باسم “أبو عجاج طال عمرك”، وأنّه بصدد كتابة رواية باسم “ظل الشمس”، لا حقائق أخرى عن المؤلف في الرواية، ولا عن الشخصيات المحيطة، كما أنّه ترك العنان لبطلها حلمي، ليتولى مهمة الراوي بصيغة المتكلم في الفصول كلها.

    كما أنّ المؤلف قد قصّر تعامله مع هذه التقنية على تمويه الحواجز بين الحقيقي والمتخيل، إذ مزج الذاتي بالمرجعي، وقد حيّرت اللوحة البطل نفسه قبل أن تحير القارئ، فمنذ البداية لاحظ حلمي جاره (طالب الرفاعي) في مقعد الطائرة المتجهة من مصر إلى الكويت يدّون ملاحظاته على ورقة صغيرة، وحين نهض قاصداً حمام الطائرة تناول حلمي الورقة وقرأ: “ظل الشمس – مشروع رواية – حلمي، نعمة، المهندس رجائي، منال”، صعق حلمي حين قرأ اسمه واسم عشيقته نعمة، فما من أحد يعرف عن علاقته بها حتى في قريته، وما من علاقة تربطه برجل الطائرة هذا، فكيف عرف؟ّ

    ◙ المقداد يرى في رواية ناصر الظفيري “سماء مقلوبة” أنّ السرد يتحول إلى سرد معشق، يتواشج فيه الماضي البعيد مع القريب في تداخل مقصود للأزمنة

    بعد ذلك وحين وصول حلمي إلى الكويت تتوالى الصدمات، إذ يفاجأ بأن المقاول الذي قبل به كعامل عنده في المشروع اسمه المهندس رجائي، وبأنّ الفتاة التي طلبته أختها ليعطيها دروسا خصوصية في اللغة العربية اسمها منال. ويبين الناقد أنّ هذه التقنية هي مجرد تخييل وأنّ المؤلف هو من نسيج هذه الأحداث والأسماء الفاعلة فيها في مخيلته منذ البداية.

    ويرى المقداد في رواية ناصر الظفيري “سماء مقلوبة” أنّ السرد يتحول إلى سرد معشق، يتواشج فيه الماضي البعيد مع القريب في تداخل مقصود للأزمنة وفي مراوحة سردية تنسج الخطاب عن طريق جدل خيطي في ماضي وحاضر الحكاية معاً، وهكذا نرى سليمان الطفل الشقي يقتحم أحد بيوت الجهراء فيسرق الزير ثم يكسره، بينما نراه في الجانب الآخر من اللوحة شاباً يتجول في باريس مع سارة، بعد ذلك نراه وفلاح والأشيب يتعاركون في دار السينما مع رواد آخرين، بينما يقتنص الخطاب بعد ذلك مباشرة جزءا آخر من الحكاية يظهر فيه سليمان في الجامعة وقد صدم بخبر موت سارة، كما أنّ الكاتب يلعب على خطاب التعشيق الحكائي، مرات عديدة وصولاً إلى تخوم النهاية التي كانت مفتتح الخطاب في الرواية.

    ويلفت الناقد إلى أنّه في رواية “ليلة جنون” للروائية منى الشافعي تستأثر سارة البطلة بسرد حكايتها وتعود مسارات الخطاب بطريقة تجعلنا نتشرب الحكاية من وجهة نظرها، وبالتسلسل الذي ارتأته لم تعتمد مجاراة الخطاب للتوالي الزمني لإجراء الحكاية، بل عمدت إلى التلاعب بها في البداية، حيث بدأت الحكاية من وسطها ثم عادت إلى البدايات لتدلف بعدها إلى الحاضر وتستمر فيه حتى النهاية.

    ويتناول الناقد تجارب أخرى لعدد من الروائيين الكويتيين – لا يتسع لنا المجال في هذه المقالة لعرضها، من خلال الأسماء والعناوين التالية: المثقف العصري وليد الرجيب، مبارك بن شافي وفانتازيا المطبخ السياسي، حمد الحمد بين الفانتازيا وسريالية الواقع، عبدالله البصيص في “ذكريات ضالة” و”طعم الذئب”، بثينة العيسى: الرواية الشعرية ومعضلة الألسن، ميس العثمان بين تانيث الرواية وشعرنتها، بسام المسلم: الجرأة والمغامرة. ويتحدث الناقد عن موضوعات أخرى منها: شاعرية الرواية النسوية، تقنية البداية وتمثلاتها، الشخصية ودكتاتورية الروائي، شعرية العتبات.

    ShareWhatsAppTwitterFacebook

    حواس محمود
    كاتب سوري
يعمل...
X