عبد الله العروي: في الدين والسياسة والتقدّم

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • عبد الله العروي: في الدين والسياسة والتقدّم

    عبد الله العروي: في الدين والسياسة والتقدّم
    كمال عبد اللطيف 20 يناير 2024
    آراء
    قراء العروي يعرفون علاقة مشروعه بأدبيات الأنوار
    شارك هذا المقال
    حجم الخط
    "من الغريب حقًا، والمغري فكريًا كذلك، أن يتصوّر يتامى الماركسية أنهم يجدون عند سبينوزا ما ينعش آمالهم الضائعة".
    العروي

    (1)
    يواصل المفكر المغربي عبد الله العروي (1933 ــ ) حضوره في المشهد الثقافي المغربي والعربي، يحمل اسمه في سِجلِّ هذا المشهد كثافة نظرية وتاريخية تخطى عمرها اليوم ستة عقود، وساهمت في بناء الملامح الكبرى للثقافة الجديدة في فكرنا. ساهمت وما تزال تساهم أعماله بأسئلتها وخلاصاتها الكبرى في تطور وفي غنى الفكر العربي المعاصر... لم يتوقف عن المشاركة في متابعة وتعقل مختلف التحولات الجارية في العالم، والنظر في أشكال ومستويات الأثر الذي تتركه في حياتنا... وهو يستمد جوانب من قوة حضوره، ليس من المؤلفات العديدة التي أنتج طيلة العقود الستة المنصرمة وحدها، ومُختلف الآثار والنتائج التي ترتبت عليها في الفكر وفي السياسة داخل مجتمعنا، بل إنه يضيف إلى كل ما أشرنا إليه، حرصه وقد بلغ اليوم سن التسعين على مواصلة التفكير والعمل، من أجل تجاوز التأخر التاريخي العربي...
    عندما أصدر سنة 2014 مصنف "رجل الذكرى"، أشار في مقدمته إلى أنه يقوم بإعادة نَصّ كَتَبه صيف سنة 1958، موضحًا أمورًا عدة ترتبط بهواجسه في الكتابة، وفي التاريخ والتأويل، ومبرزًا أن هذا النص الذي حرر صيغته الأولى في السنة المشار إليها يتضمن الروح العامة لمشروعه التاريخاني، أي روح مشروعه المتواصل في الدفاع عن الحداثة والتاريخ.
    لم يتوقف عن الكتابة والترجمة، أصدر خلال السنة التي انتهت ترجمة لكتاب سبينوزا "مقالة في السياسة" (2023)، كما أصدر باللغة الفرنسية "دفاتر كوﭭﯿد" (2024)، وهي بمثابة جزء خامس ليومياته المعنونة "خواطر الصباح"، وفيها نقف على يومياته من سنة 2013 إلى سنة 2022. وفي الكتابين معًا، نقف على جوانب من أشكال مواصلة عنايته، بقضايا وأسئلة الفكر المغربي والفكر العربي.



    نتبين في مصنفاته الجديدة نوعًا من الحوار مع ذاته، مع مؤلفاته الأخرى، ومع مشروعه في التقدم. ونقف فيها على محاولاته المتواصلة في تتميم وترميم، وكذا توضيح بعض الأسئلة وبعض النتائج، التي وردت في أعماله السابقة عليها، الأمر الذي يكشف جوانب من كيفيات استمرار تفاعله مع مواقفه، ومع مختلف التحولات الجارية في عالمنا، وكذا استمرار دفاعه عن ضرورة تجاوز صنمية التاريخ والتراث، أي دفاعه عن القطيعة، وإعادة بناء الذات بروح نقدية، وفي إطار تَمَلُّك الروح الحداثية، بحكم أنها تشكل اليوم أهم مكاسب عصرنا...
    إذا كان العروي قد وضح في إحدى يومياته الواردة في الجزء الثالث من كتابه "خواطر الصباح" (1982 ـ 1999) حاجة الفكر العربي إلى أمهات الكتب في الفكر الحديث والمعاصر، بحكم أنها تضيء الطريق أمام مساعي التحديث المطلوبة اليوم في مجتمعاتنا، فقد انخرط في القيام بجزء من هذه المهمة، وفي سياق يرتبط بأسئلة مشروعه الفكري في النهضة والتقدم. ترجم كتاب مونتسكيو "تأملات في تاريخ الرومان... أسباب النهوض والانحطاط" (2011)، ثم ترجم نص روسو "عقيدة قس من جبل سافوا"، من كتاب إيميل، في التربية، ووضع له العنوان الذي بدا له مطابقًا لمحتواه، "دين الفطرة" (2012). وقد أبرز في المقدمة التي مهد بها للنصين المترجمين أهمية المحتوى الذي تستوعبه هذه النصوص، والأدوار المنتظرة منها في دعم وتعزيز خيارات التنوير والتقدم في الفكر العربي المعاصر.
    أتصوّر أن قرّاء العروي والمهتمين بمشروعه في التحديث يعرفون علاقته بأدبيات الأنوار، كما نشأت وتطورت في الفكر الغربي الحديث والمعاصر. كما يَعرفون نوعية القراءة التي ركَّب في مصنفاته الأولى، منذ ستينيات القرن الماضي، حيث انخرط في حوار نقدي مع تيارات الفكر النهضوي في مصنفاته الأولى "الأيديولوجيا العربية المعاصرة" (1967)، و"العرب والفكر التاريخي" (1973)، ثم "أزمة المثقفين العرب" (1974)، و"ثقافتنا في ضوء التاريخ" (1983). وعندما نقرأ اليوم عناوين النصوص التي ترجم في موضوع التفكير في أسباب صعود الأمم وانحطاطها، ودين الفطرة في علاقته بالتربية، ندرك جيدًا أن الرجل يواصل التفكير في قضايا شكلت وما تزال تشكل القضايا المحورية، في بحثه المتواصل عن كيفيات تجاوز مظاهر التأخر التاريخي في مجتمعاتنا.

    (2)
    لم يتوقف العروي عن التفكير والكتابة في القضايا التي يعد أنها المدخل المناسب لمواجهة مختلف مظاهر التأخر في ثقافتنا ومجتمعاتنا. وتتيح لنا المقدمة القصيرة، التي مهّد بها لترجمة نصّ "مقالة في السياسة" لسبينوزا، أن نقف على كيفيات تعامله مع نصوص الفلسفة السياسية الحديثة، ومع أرصدتها في بناء مقدمات ومبادئ فكر الأنوار، ذلك أن الهدف من تعريب هذه النصوص في نظره، يتمثل في "الاستئناس بالمناهج التي اهتدوا إليها، وفحصوا بواسطتها تاريخهم السياسي والاجتماعي والعقائدي، لنستعين بتلك المناهج على فهم كل جوانب ماضينا" (من مقدمة الترجمة).
    "لم يتوقف العروي عن التفكير والكتابة في القضايا التي يعد أنها المدخل المناسب لمواجهة مختلف مظاهر التأخر في ثقافتنا ومجتمعاتنا"

    يذكرنا في مقدمة كتابه الجديد بأن الغاية من ترجمته لمصنف مونتسكيو عن الرومان تتوخّى التمكن من إنجاز ما يماثلها في ثقافتنا. وهو يرى أن ابن خلدون وحده يشكل استثناء في ثقافتنا، فقد فكر في أسباب بزوغ وأفول نجم الخلافة الإسلامية. وبالروح نفسها، قدّم تصوّر روسو لعقيدة "قس جبل سافوا"، متوخيًا من وراء ذلك أن ينفتح فكرنا العربي على طرق في النظر تمكننا من التفكير في التجربة المحمدية... إن تمارينه في ترجمة نصوص معينة لا تروم توسيع دائرة معارفنا فقط، إنها تتجه إلى إنجاز ما يساعدنا على التقدم... والأمر نفسه ينطبق على ترجمته الأخيرة لـ"مقالة في السياسة" لسبينوزا. ومن مونتسكيو إلى روسو وسبينوزا، نقف على ثلاثة أسماء ساهم رصيدها الفكري في تطوير النظر في أسئلة الفلسفة السياسية الحديثة، كما ساهمت طرقها في النظر، في بناء كثير من مبادئ فكر الأنوار في الفكر الحديث. وفي الأسطر التي ختم بها المقدمة التي كتب عن "مقالة في السياسة"، نقرأ العبارة الآتية: "لنقرأ ما يقول سبينوزا عن السياسة، عن الحرية والسلطة، عن أنس الملأ وتوحد المستبد، بذهن آمن مطمئن، من دون استظهار بنادرات الشؤم".
    أشرنا ونحن نُمهد لأعمال العروي الأخيرة إلى أنه لم يتوقف عن مواجهة الإشكالات والقضايا التي اهتم بها منذ ستينيات القرن الماضي، ونقصد بذلك مسألة التأخر التاريخي العربي وضرورة، بل حتمية، إنجاز ثورة ثقافية، تُهيئ الطريق لتملُّك ما يسعف بتحقيق عملية انخراط جديد، في عالم يمتلك مقومات جديدة تختلف عن المقومات التي ورثنا من الماضي. وسواء في المقدمة المكثفة التي أعد لتقديم مقالة سبينوزا، أو في كتاب يومياته الذي يحمل عنوان "دفاتر كوﭭﯿد"، لا يتوقف عن عملية مراجعة أسئلته وأحكامه، والتفكير في نتائج وآفاق المواقف التي اختار، وكذا مناقشة مستجدات ما يجري اليوم في عالمنا وفي ثقافتنا.
    تعود في "يوميات كوﭭﯿد" أسئلة العرب والغرب والعرب والحضارة الغربية، أسئلة الماركسية والتحديث. كما تعود أسئلة التراث والحداثة، أوروبا وغير أوروبا، حيث يواصل العروي توضيح نزوعه التاريخاني. نواجهفي اليوميات أيضًا، وباء كورونا، حرب روسيا مع أوكرانيا، والتحولات البيئية الجارية في عالمنا. ولأن اليوميات مفتوحة على شؤون وشجون اليومي، فإن صاحبها لا يتردد في بعضها من مراجعة بعض المعطيات المتعلقة بفترة إقامته وتكوينه في باريس، خلال خمسينيات القرن الماضي... فيوميات كوﭭﯿد عبارة عن نص مفتوح، نص يرصد فيه المفكر تحولات الزمن والتاريخ، وأسئلة الفكر وحدوده، يتمم معارك ويعيد النظر في أخرى... وهو يتيح للقارئ، معاينة كيف يواصل المفكر توضيح مشروعه الفكري في ضوء تحولات التاريخ...
    يعود في يومياته إلى نصوص قديمة كتبها قبل عقود، فيبرز بواسطتها ومن خلالها، كيفيات نظره إلى قضايا سياسية أو ثقافية مرتبطة بالحاضر المغربي والعربي والكوني... ولأن الرجل يؤمن بالمقدمات الكبرى للتاريخانية، فإنه لا يتردد في التفكير وإعادة التفكير في الحاضر العربي والكوني بطريقة مركبة، لا يقبل التخلي عن مكاسب ومنجزات الفكر الحديث والمعاصر، وثوراته في السياسة والمعرفة والتقنية، كما لا يقبل استمرار التعامل مع الذات المغلقة على ذاتها، أو المكتفية بذاتها.
    نعثر في يوميات دفاتركوﭭﯿد على أجوبة أسئلة استوعبتها مقدمته لترجمة كتاب سبينوزا، فقد أشار في يومية 13/5/2022، إلى أنه ترجم مونتسكيو وهو يفكر في أسئلة ابن خلدون، وترجم روسو وهو يفكر في بعض مواقف ابن رشد، وأنه لا يرى أن ترجمته لكتاب سبينوزا "مقالة في السياسة" مجرد تمرين مجاني، بل إنه مناسبة للتفكير في السيادة والعلمنة والديمقراطية (صفحات 86 ـ 87)، وهو أيضًا، يقربنا من بعض أوجه واقعية سبينوزا وتفاؤله، إنه نص يظهر بلغته "حدود العقلانية الكلاسيكية".
    نعثر في "يوميات كوﭭﯿد" على موضوع الصحراء وسؤال المغرب العربي الكبير... وتستوعب اليوميات موضوعات عديدة تمس كثيرًا من أوجه حياة المفكر، وتعكس بعض صور نظره في كثير من التحولات التي حصلت في عالمنا، وطريقة تعقله لبعض جوانبها، حيث يبرز بعض أوجُه تحولها وتطورها... إن "يوميات كوفيد" عبارة عن نوافذ تسمح للمفكر بمواصلة النظر والتفكير في الحاضر، ومواصلة المساهمة في بناء بعض التصورات، التي يمكن أن تساهم في إضاءة وتنوير بعض قضاياه وأسئلته.
يعمل...
X