حنان الحاج علي: مسرح قيد التطوير، يعني قيد الحرية

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • حنان الحاج علي: مسرح قيد التطوير، يعني قيد الحرية



    حنان الحاج علي: مسرح قيد التطوير، يعني قيد الحرية
    علاء الدين العالم
    حوارات
    شارك هذا المقال
    حجم الخط


    أنهت حنان الحاج علي، منذ مدة وجيزة، عروضها لمسرحية "جوغينغ"، في مهرجان أفنيون (أوف)، وذلك بعد أن قدمته في أكثر من فضاء داخل لبنان وخارجه، إضافة إلى عملها كفاعلة ثقافية تسعى دوما إلى تعزيز الحضور الثقافي في بيروت وتفعيل دور الثقافة في المجتمع.

    عن مسرحية "جوغينغ" والعمل الثقافي المستقل في المنطقة العربية والحركة المسرحية، كان لـ"ضفة ثالثة" هذا اللقاء معها:



    * في عرضك المسرحي الأخير "جوغينغ" تحاكين أقاصيص أمهات في مستويات مختلفة، تنتقلين من الأسطوري إلى اليومي، ومن الماضي إلى الحاضر. لماذا اخترتِ تيمة "الأم"؟ وهل تمكنَت هذه التيمة من حَمل القول السياسي والثقافي لحنان الحاج علي الآن/ هنا؟

    في الواقع تتم المحاكاة في الاتجاهين، ولكنها تنطلق من اليومي إلى الأسطوري ومن الآن وهنا إلى الماضي، وتطأ رحاب الفضاء العام من عتبة الفضاء الخاص الحميمي الذاتي. النواة هي الأنا، الآن وهنا، فجوغينغ هو مشوار يومي لحنان الحاج علي التي تقوم بالرياضة كل يوم صباحا، الرياضة والمسرح هما الأمران اللذان يساعدانها على المقاومة. حنان الأنثى، الممثلة، الزوجة، المواطنة والأم. مشوار تتم خلاله محاورة الذات، ومحاورة الذات مع المدينة وتحولاتها الهمجية. هو فعل يومي تبدأه حنان المواطنة في شوارع بيروت لتنتهي به حنان الممثلة على خشباتها أو العكس، أعني لتبدأ به حنان المواطنة على مسارح بيروت لتنتهي به حنان الممثلة في شوارعها. حنان الأنثى التي اختارت أن تكون ممثلة في الوقت الذي كانت فيه الممثلة امرأة سيئة السمعة، والتي تتشبث بحلم المواطنة في الوقت الذي يتفتت فيه وطنها، كذلك حنان الأم لأربعة أبناء مهاجرين خارج بلد طارد للأدمغة غير المؤدلجة والمواهب المستقلة الحرة. دوائر متراكبة متداخلة في الزمان والمكان تجعل من الأمومة الدائرة الأوسع التي تتلاطم داخلها كل الدوائر وتتوالد.



    * يتذيل توصيف "عرض قيد التطوير" عنوان مسرحية "جوغينغ"، ما هو العرض قيد التطوير؟ وكيف تلمّستِ تطور المسرحية منذ عرضها الأول وحتى العرض الأخير؟

    هناك خلط يحصل بين "عرض قيد التطوير"، و"مسرح قيد التطوير"، وجوغينغ هو مسرح قيد التطوير، وليست مسرحية يضاف عليها أشياء وتتطور من عرض لآخر. هناك فكرتان انطلقت منهما في تقديمي لفكرة "مسرح قيد التطوير"، الأولى جوهرية والأخرى مشاغبة، إن صح التعبير. الفكرة الجوهرية بالنسبة لي هي أن المسرح هو مختبر دائم التفاعل والتطور وعجلته لا تتوقف، سواء ما قبل العرض الفعلي (النقاشات، اللقاءات، الحوارات، الاختبارات، إلخ)، أو وقت تقديم العرض، أو ما يليه. إن التكوين الأساسي للمسرح مرتبط ارتباطا وثيقا بالمدينة والمواطنين وتطورهما الدائم. كان "التياترون" عند الإغريق هو المكان الذي يرى المتفرجون منه كل شيء، يرون المدينة، ويرون بعضهم، ويرون الممثلين الذين يقومون بتجسيد وطرح قضايا مهمة. لذلك هي فكرة مسرح قيد التطوير، مسرح حاله حال المدينة والمواطنين دائمي التطور والتغيير.

    أما الفكرة الثانية، وصفتها بالمشاغبة لأني أردت فيها مسائلة كل جهاز الرقابة بكافة تنوعاته وتمظهراته، فكيف لرقابة أن تتم على شيء قيد الخلق، قيد التطوير الدائم؟! وهل بمقدور الرقابة، المرتبطة دائما بالثبات (نص مطبوع، صورة فوتغرافية...إلخ)، أن تتمكن من رصد عرض دائم الحياة والتطور؟ هل يمكنها أن تراقب ما ليس بين يديها بعد؟ بالطبع لا. ولعل ذلك ما تفعله الفنون الحية دائماً بلعبتها مع جهاز الرقابة الحاضر دوماً. لذلك عندما أقول مسرح قيد التطوير أي مسرح قيد الحرية.



    *عرضتِ في مدن غربية وأوربية عدة، كيف كان تلقي الجمهور الغربي للحكاية العربية اليوم، وهل هو مُنهَمٌ بمفردة من مفردات العرض على حساب أخرى (النص مثلا)؟

    دائما ما فاجأني غرض جوغينغ بحالة تلقيه، سواء داخل لبنان أو خارجه، في دوائر المتن أو في الهامش، في المركز أو في الأطراف. كل جمهور (بكل حي، جامعة، مخيم، مسرح) وجد فيه الشخصي الذاتي من جهة، ومن جهة أخرى هناك طرح عام يحاكي "كل إنسان في كل زمان وكل مكان"، فبقدر ما هو خاص ومحلي بقدر ما هو عام وإنساني شامل.

    لا شك أن النص وثيمته والعلاقات القائمة داخله وموضوع الأم وقتل الأبناء هو موضوع يضرب قويا في نفس المتلقي ويهز أحاسيسه، لكن ليست فكرة النص هذه هي الوحيدة التي عنت الجمهور الغربي واهتم بها، وأظن ذلك يندرج على الجمهور العربي الذي لم يكن النص وحده هو ما عناه بالعرض.

    إن أردت إعطاء مثل عن ما لفت الجمهور الغربي، يمكنني لحديث عن عرض جوغينغ في مهرجان "ملتقى المسرح" Theatretreffen Festival، حيث قدم العرض ضمن منصة خاصة بالمهرجان تحت عنوان بـ"قلب المفاهيم". بالنسبة للجمهور الغربي الذي لديه أفكار مسبقة عن المرأة العربية، وعن الممثلة العربية، وعن المرأة المحجبة، والممثلة المحجبة، وأفكار مسبقة عن المسرح العربي وعن علاقتنا عموما بالحوار والنقاش والسجال والقول السياسي الفني، أتى عرض جوغينغ ليساهم في قلب العديد من هذه الصور المسبقة والمفاهيم الثابتة.

    من جهة أخرى، لفتهم البناء المفاهيمي للعرض، وكيف يتقاطع مع ما هو (سياسي)، وكيف لخطوط كالخط الفني والإبداعي، وخط الدفاع عن حق التعبير، وخط لا مركزية الثقافة، تبدو وكأنها خطوط متوازية لا تلتقي، بينما هي تلتقي في العرض وتتشابك لتسترجع وظيفة المسرح الأساسية "الأغورا" اليونانية. ناهيك عن أن الأسلوب اللغوي للعرض أسلوب العرض ولغته، المنطلق من مخزوني الشخصي الحياتي والمسرحي، ومن التطوير الحاصل في المختبر الجماعي الذي شارك فيه كل من إيغيك دونيو، وعبد الله الكفري، فقد أنجز في النهاية لغة مسرحية بقدر ما يخيَّل للسامع أنها بسيطة ويسمعها يوميا، بقدر ما هي مركبة وحاملة لدلالات وطبقات معنى مختلفة. لذلك كان الاهتمام بالعرض واسع الطيف، من جمهور ربما يحضر مسرحية للمرة الأولى، وصولا لجمهور مطلع على المسرح وتطوره محلياً وعالمياً.



    * "لم يحسن لبنان استثمار هذا المخزون البشري والثقافي، ففرط به لتتلقفه في غالبه بلاد أوروبا". بناءً على ما ذكرته سالفا في تقديمك لشهادات سورية، بالإضافة إلى عملك الدؤوب في تدعيم العمل الثقافي السوري في لبنان، كيف ترين الحضور الثقافي السوري في لبنان اليوم بعد مرور سبع سنوات على الانفجار؟

    لم يحسن، ولن يحسن. للأسف بعد مرور حرب أهلية طويلة الأمد في لبنان، وما زلنا نرى المجتمع اليوم أكثر تطيفا وتحزبا وتشرذما، ولأتفه الأسباب قد تقوم حرب ضروس، لأننا لم نتعلم شيئاً. في السياق ذاته، فرّط لبنان في النشاط الثقافي السوري الزاخر في السنوات الأولى للانفجار، ففي البداية كانت هناك رغبة لدى السوريين واللبنانيين في اللقاء والاختبار والتجريب، وخُلق حينها فمناخ ثقافي حيوي جدا، وكانت هناك تجارب مسرحية وموسيقية وغيرها، وانفتحت فضاءات فنية ولدت حراكا إيجابيا جدا على أكثر من صعيد، الاقتصادي منه والثقافي والاجتماعي. لكن ما حصل عكس ذلك للأسف، فنتيجة سياسة قصر النظر وجراء استشراء القوانين المتشددة والمجحفة، اختار أغلبية الفنانين السوريين الخروج من لبنان، فتم وأد الفوران الثقافي في مهده، وخفت وهج النشاطات الثقافية، وكاد أن ينتهي لولا بعض الناشطين والمؤسسات والجمعيات المهتمة بهذا الشأن التي تمكنت من أن تبقى في لبنان وتحاول التأقلم وتسعى لأن تكون على تواصل مع الشتات ومع كل أماكن تواجد السوريين اليوم، كما هي حال مؤسسات (المورد الثقافي، العمل للأمل، اتجاهات ــ ثقافة مستقلة، زقاق، مجموعة كهربا...) التي اهتمت بهذا الشأن وخططت له وتسعى دائما لتفعيل النشاطات الثقافية والأعمال الإبداعية، ما ساهم في إعادة تشكيل ذلك الألق الإبداعي لحد ما. زد على ذلك، أن الفنانين والكتاب السوريين الذين غادروا بيروت سابقا كـ"وائل قدور ومضر الحجي ومحمد العطار وغيرهم" تمكنوا من العودة إلى بيروت ككتاب ودرامتورج، بعد أن تطورت تجربتهم في الخارج. وبذلك تم خلق خطوط بين المؤسسات الحاضرة داخل لبنان وبين المبدعين خارجه، وخلق نوع من المجرات الضوئية الإبداعية في حركة مستمرة، والتي لا شك أن بيروت إحدى محطاتها ومراكزها.



    * "جنينة الصنايع، بوابة فاطمة...." وغيرها الكثير من الأعمال المسرحية التي تشاركتِ فيها أنت والمخرج المسرحي الكبير روجيه عساف كانت قد أصبحت لَبنات أساسية في معمار التجربة المسرحية العربية. كونك تابعتِ نشاطك المسرحي (كذلك الحال مع روجيه عساف) إلى اليوم، كيف تقيّمين التجربة المسرحية العربية بعد الانفجارات الثورية في العالم العربي؟

    بداية يبدو الحديث عن التجربة المسرحية العربية وكأنها تجربة عضوية واحدة، وهي ليست كذلك. هناك تجارب مسرحية عربية، إذ يمكننا الحديث عن التجربة المسرحية في تونس، أو في لبنان، أو في مصر..إلخ. بالطبع، هناك أشياء مشتركة تأثرت فيها التجارب المسرحية العربية، فلطالما تأثرت هذه التجارب بجو الحروب والثورات والتجزئة السائد في المنطقة، وساهم التدهور السياسي والاقتصادي والاجتماعي بالتأثير سلبا على الحركة المسرحية، سواء من جهة الإنتاج أو الإمكانيات والخطط والسياسات الثقافية، ولكن بالرغم من ذلك أرى أن الحروب والثورات والتراجيديا، بقدر ما تقتل أشياء بقدر ما هي فوارة بالإمكانيات. فعلى سبيل المثال، استحال شتات الفنانين إلى عنصر إيجابي ساهم في خلق تجارب فنية جديدة وخلق وتيرة إنتاج أسرع للمبدعين، ودفع الفنانين إلى التعرف على وسائل إبداعية جديدة. من هنا، يمكنني القول إن المشهد أصبح اليوم أغنى من السابق، وكم الإنتاجات المسرحية صار أكبر وأوسع انتشارا. وهناك شيء إيجابي يحصل في الحالة المسرحية ويعِد بالكثير، لكن على أن تستمر متابعة هذه الإنتاجات ودعمها والتفاعل معها.


    * كمؤسّسة وعضو مجلس إدارة العديد من المؤسسات الثقافية والمنظمات الفنية المستقلة في العالم العربي، مثل "المورد الثقافي" و"العمل للأمل" و"اتجاهات، ثقافة مستقلّة"، هل تمكن العمل الثقافي المستقل من تغيير السياسات الثقافية في المنطقة العربية، وكيف تم ذلك؟

    إن لم يتمكن العمل الثقافي المستقل من تغيير السياسات الثقافية في البلدان العربية، فهو قد حرك المياه الراكدة. ففي الوقت الذي كانت فيه وزارات الثقافة الرسمية مبهمة العمل والبنيان والفعالية، أتى العمل الثقافي المستقل ليسائل هذه الوزارات، ويسائل هيكليتها وأجهزتها وميزانيتها وآليات صرفها، وأتى من يبحث في التطور التاريخي للعلاقة بين المجتمع والدولة والثقافة. أصبح لدى هذه المؤسسات المستقلة معلومات وبحث ونواة لمركز بيانات. صحيح أن هناك بعض الدول العربية تسعى عبر وزارات الثقافة لجزء من ذلك، بيد أن السواد الأعظم منها راكد، لكن الدولة في هذه الحالة، ولو لم يكن لديها نية للفعل، أصبحت مضطرة إلى التحرك والكشف والمواجهة، وتقديم إجابات في غمرة العمل الدؤوب لفرقاء المجتمع المدني.

    ساهمت المؤسسات المستقلة بشكل ملموس ببعض أوجه التغيير، فمثلا تمكنت المجموعة العربية للعمل على السياسات الثقافية التي خُلقت بإطار "المورد الثقافي" والتي من خلالها تولد مجموعات محلية عربية، استطاعت العمل على السياسات الثقافية العربية، وقدر بعضها على تغيير بعض القوانين، كما الحال في لبنان الذي تغيرت فيه بعض القوانين بفضل عمل الناشطين الثقافيين، كذلك الحال في الجزائر حيث خلقت المجموعة الجزائرية للعمل على السياسات الثقافية حالة من الوعي حول ضرورة وجود سياسة ثقافية واضحة أدت إلى حراك ثقافي ليس في العاصمة وحسب بل في العديد من المدن الجزائرية. وبدأ يحدث حراك من هذا النوع في الدائرة الفلسطينية في لبنان، وآمل أن يحصل ذلك في الدائرة السورية أيضاً.

    برأيي ساهم تراكم كل من البحوث والمنشورات والتظاهر والمبادرات المطلبية في خلق نوع من التغيير، تغييرات تختلف حسب كل منطقة، ليست تغييرات كبيرة وجذرية فهذه التغييرات لا تأتي إلا بالتراكم، وذلك ما يتم الآن. ولا أقصد هنا أن التغيير يتم من قمة الهرم، على العكس تماما، ففي العالم العربي التغيير يجب أن يأتي من أسفل الهرم، من القاعدة. مثال على ذلك تجربة انتخابات البلدية التي تمت في بيروت من حوالي السنتين، حيث تمكن المجتمع المدني من التقدم لانتخابات عبر كفاءات متعددة (رجال قانون، محامين، مهندسين، فنانين...إلخ) وبرنامج انتخابي مغاير وملفت أكسبه نسبة 45% أمام أحزاب مكرسة. وهذه نتيجة تدفعنا للتفاؤل، فاحتمال نجاح مثل هذه الكوادر في الانتخابات البلدية المقبلة يعني أنها ستتمكن لاحقاً، ومع تراكم ما سبق، من تحقيق تغييرات جذرية وبنيوية وجوهرية ولو على المدى الطويل.
يعمل...
X