طائر حرّ

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • طائر حرّ



    طائر حرّ
    جميلة عمايرة
    قص
    جمال بسيوني، مصر
    شارك هذا المقال
    حجم الخط



    اختلط الأمر في رأسي، وتداخل بصورة لم تكن متوقعة أو متخيلة.

    للوهلة الأولى، ظننت أنني أحلم، كما يحدث في ليال عديدة، وفي منتصف الحلم أو قبل نهاية أحداثه بقليل، تنحرف الأمور عن مسارها لتصبح كابوسًا لا ينتهي، ليؤرقني في كل ليلة!

    ولا أعرف هل أن الأمر بجوهره يعود لحمى شديدة استوطنت جسدي، فأستيقظ فزعًا مرتجفًا وأنا أهذي باسمها؟ أم أنني بت ذلك الرجل الذي يتوهم حدوث الأشياء منذ غيابها ويصدقها؟.

    لا أعرف...

    ثمة ما يدعو إلى الالتباس والريبة، يشبه خطًًا لا مرئي يمتد بين العتمة والضوء، بين الصحو والغفو، بين سهوه عن الحياة، والدخول خلسة بالغياب، بين انتظار صوتك في كل ليلة وبين غيابه، بين الـ"هنا" بكوابيسها الليلية الطويلة، وبين الـ"هناك" البعيدة والمجهولة حيث صرت تقيمين.

    لا أعرف.

    الوقت. ما الوقت؟. أهو ما بعد انتصاف الليل بقليل، أم هو قبل الغسق؟

    فجأة وجدتني في متاهة ليلية مع صوتك الذي لم يتوقف عن المجيء كل ليلة. وكل ليلة يتكرر الأمر وبالتوقيت ذاته: يجيء صوتك، صوتك الذي أعرفه وأميّزه من بين الأصوات جميعها. يجيء في موعده تمامًا: لم يخطئ سمعي لمرة واحدة. أكون على وشك أن أغرق في النوم بعد أن عزّ وصوله وصار أمنية مشتهاة، فيجيء.

    يجيء. في البداية يصل سمعي مشوشًا ومتداخلًا مع لغط أصوات لا أميزها، فأشعر وكأنه قادم من بئر جف ماؤه. يصل متعبًا قلقًا، أهو صوتك؟ بصعوبة أتبينه بعد أن أصيخ السمع: أجل هو صوتك. فأسمعه بلا غموض في رأسي وكأنك بجانبي. أتفقد ما حولي، أتفقدني، أنا الرجل الذي لم يعثر على حياته منذ غيابك.

    في ليال عديدة يصبح هواء الغرفة ثقيلًا وخانقًا، أكاد لا أميّز صوتك من بين لجة أصوات خفيضة، فأحسّ بالعجز.

    أخرج من الغرفة نحو مصدر الصوت. أحسّ بأنني سأختنق.

    أصيخ السمع ثانية، فألتقطه والعتمة حالكة. هو صوتك الذي أعرفه، فيتبعني من غرفة إلى أخرى، ومن زاوية لزاوية ويملأ البيت.

    أحيانًا يطبق السكون على البيت. البيت الذي صار موحشًا وباردًا، كئيبًا وحزينًا، فتهب نسمات تعبق برائحة الليل وكائناته التي لا تنام، فيجيئني وأسمعه بوضوح. أتساءل بحيرة: من أين تسلل، وكيف طلع من بين الأنقاض والأتربة والغبار، قاطعًا كل هذه المسافة التي تفصل بيننا، أعني بين وجهي ووجهك، ويصل ليجلس بقربي على السرير ويبقى حتى قبل الفجر بقليل!

    كل ليلة يحدث الأمر ذاته.

    ليس في وسع رجلٍ وحيد مثلي سوى الانتظار والترقب والإصغاء بهدوء.

    أنتظر حلول الليل، أنتظر صوتك. بالبداية يتسلل لسمعي مختلطًا مع أصوات لا أتبيّنها، أستوقفه بعد أن أميّزه من بين لجة أصوات، أنقيه مما علق به من تعب وغبار وأتربة، وأصغي بهدوء وأتساءل ثانية: كيف يجيء صوتك من بعيد، من الضفة الأخرى، ولا يصعد السلالم أو يدق الباب، بل يتسلل عبر النافذة المغلقة بإحكام كلص في العتمة؟ لا أعرف كيف يطلع من بين الأنقاض والعتمة حالكة؟ أتسمعينني؟

    تغيبين فجأة وتدعين لي صوتك في كل ليلة، صوتك الذي لا يتوقف عن الركض داخل رأسي!

    في ليال عديدة يصل صوتك بكلمات جافة باردة، يجيء من مكان عميق بارد ورطب كأنني أسمعه لأول مرة. لا بد وأنها الريح العاتية، أقول. لا بد وأنه الغياب. تهمسين بصوتك الجاف.

    الريح، الريح الجافة التي استوقفت صوتك، وكادت أن تضيعه بالفضاء، فوصلني باردًا جافًا متقطعًا ومبحوحًا كعزف ناي حزين.

    أصيخ السمع إلى أن يختفي صوتك ويذوب كشمعة باردة. فأشعر ببرد كبير، برد وكأنه الشتاء.

    أتسمعينني الآن؟

    أنتظر بالعتمة، أحدق بالجدار، فأرى طلاءه المتقشر لأول مرة منذ غيابك. أستعيد كلماتك كلمة كلمة مثل مزحة عابرة، مثل طرفة، طرفة، أجل هذه هي الكلمة التي أبحث عنها، طرفة مُرّة تشبه أحدًا يحاول أن يرشّ سكرًا على الموت، ليصير مذاقه حلوًا: "أريدك أن تدع طرف القبر مفتوحًا قليلًا كي أتمكن من التنفس، إذا أغلقته بإحكام سأحس بالاختناق وأموت! أنت تعلم أنني لا أستطيع احتمال فكرة الأماكن المغلقة، حتى لو كانت قبرًا واسعًا، تظلله أشجار الحور والسنديان"!

    تضحكين.

    أنت البعيدة هناك، وأنا البعيد هنا، ترمين الكلمة مثل "صباح الخير" وتضحكين، فأضحك بدوري وتمضين خلسة هكذا. لم يكن موتك أكثر من مزحة ثقيلة!

    وهكذا صرت في كل ليلة الرجل الذي ينتظر حلول الليل وحيدًا بالغرفة.

    أقف على حافة العتمة، وأنتظر قدوم صوتك. أتوسل حضورك، وأسهر معك حتى أول خيوط الفجر، دون أن أتمكن من رؤيتك، أنت هل تستطيعين رؤيتي؟

    هل تحلمين؟ أنا الرجل الذي اعتاد أن يحرس حلمك في كل ليلة، وأحرس صوتك وأحرس غيابك. هل تدركين هذا؟ حتى أنني صرت أدخن تبغك، وأردّد كلماتك نفسها.

    أتذكر كل شيء كما لو أنه حدث في الليلة السابقة: ذلك الصباح، ليته تريّث قليلًا الصباح الذي لم تشرق شمسه قط! الصباح الذي انقلب فجأة فصار عتمة دائمة، صباح غيابك، أتذكر كل شيء: مذاق شفتيك لحظة القبلة الأخيرة! وكيف خطوت خطوتك الأولى فوق قلبي الذي لم يحتمل، وأنت تغادرين دون أن تلوحي لي بيدك للمرة الأولى والأخيرة، دون أن تبتسمي، ودون أن تنظري وراءك. حينها شعرت بأنني رجل وقد قصم ظهره.

    بقيت واقفًا جامدًا في مكاني، لم أفعل شيئًا. هل كنت أملك وقف القطار أو حرفه عن مصيره؟

    أتذكر أنني سرت معهم. مشيت بين الجموع، هل مشيت حقًا؟ أعني هل تجرأت على المشي؟ حمل الرجال نعشك وسريعًا تمت مواراته التراب. خلت أنني سمعت حفيف ثيابك وهي تسقط قبلك في الحفرة الرطبة، ثم مضينا أنا وأنت كل في طريقه كغريبين دون أن يبتسما. إلى أن وجدتني في البيت وحيدًا، فهبطت نحو البئر القريبة أبحث عنك وعن ظلي الذي نسيته هناك.

    أود لو تخبريني:

    يزعمون أن آخر ما يلتقطه سمع الذاهب في الغياب، هو صوت خطوات المشيعين وهم عائدون بعد مواراته التراب، فيود النهوض واللحاق بهم، لتخذله قواه. هل حقًا أردت العودة وضللت الطريق للبيت، أم إلى قلبي؟

    ويزعمون أيضًا أن الغائب يعلم بكل ما يحدث هنا، معنا نحن الذين ما نزال على قيد الحياة. فهل تدركين ما حل بي منذ غيابك؟ هل تسمعينني الآن في هذه اللحظات والعتمة حالكة؟

    ويزعمون أن الموتى يتعارفون فيما بينهم كما يتعارف الطير فوق أغصان الأشجار! هل هذا صحيح؟ هل هذا ما يحدث حقا؟

    أعرف بأن لا شيء يبقى طويلًا، وبأن الموت يفيض من الفم والأذن والأصابع والقلب والعين.

    لماذا لا يجيء صوتك إلا بالليل؟

    هل تدركين حالتي منذ غيابك؟ هل كنت أملك أن أقول للرجل الذي أهال التراب فوق جثمانك بأن يدع طرفه مفتوحًا كما أوصيتني من بين ضحكاتك؟ وتوضحين: كي أقوى على التنفس؟

    سألتك ونحن نحتسي قهوتنا الصباحية: ما تقولينه لا يطاق، يشبه طرفة ثقيلة ومرة أليس كذلك؟ اكتفيت بالضحك. فصرت بدوري مثلك أضحك.

    هل تعلمين أنني وفي كل ليلة أرتب خزانة ثيابك، كي أراك وأشم رائحتك بثيابك المطوية بعناية والمنشاة برائحة اللوز؟

    تعالي. تعالي عبر الماء أو الريح، تعالي عبر الغيم، أو في وضح النهار. تعالي ولا تخشين شيئًا أو أحدًا. ابقي بجانبي، فلا شيء أشد حزنًا وأكثر ثقلًا من مرور هذا الوقت الشاحب دونك، دون وجهك، دون يدك الدافئة، دون أصابعك لتتسلل للساعة المعلقة فوق رأسي ولا تدور عقاربها، وتوقفين جريان الوقت الثقيل والبطيء في رأسي وحدي، أنا الرجل الذي لم يعثر على حياته منذ غيابك.

    أنا الرجل الوحيد والعاجز الذي يهذي منذ غيابك ويتوهم حدوث الأشياء ويصدقها. بتّ أقيم في غرفة باردة وموحشة تسكنها أرواح الغائبين، أسهر معهم كل ليلة، بعد أن أعد طعامهم، دون أن أنسى القهوة. أستمع لحكاياتهم بلا ملل، أضحك لنكاتهم حتى لو كانت مرة! أبكي غيابهم وحيدًا بعد أن يمضون في طريقهم، دون أن أملك القدرة على إبقائهم لمدة أطول، فيلمع حزني بالعتمة.

    الآن صار بوسعي أن أكون مثلك تمامًا وأفكر بك وأنتظر مجيء صوتك في ليلي الطويل البارد، دون أن أشعل النور كي أتمكن من سماعه واضحًا بلا لبس أو غموض في رأسي. أجدني في الصباح ملمومًا على نفسي فوق السرير، كصرة قديمة مهملة من الثياب.

    أنا الرجل الذي مالت الأرض به وبمن أحب. لا دور لأحد في حزني، ولا شأن به، وقد صارت روحي كسيف صدئ خارج غمده.

    أخبرك الآن: انتظري مجيئي، سأحمل جثتي وأمضي بخيبة أفعى، فما يحدث حدث منذ زمن بعيد، وسيحدث مستقبلًا: النبع الذي جفّ إثر انحباس الماء هذا العام سيتم ردمه ويصير طريقًا لعبور المارة، صوتك سيصير ريشة تطيرها الريح شجرة أو غيمة أو أمنية وتغادر سمعي، إلى أن يلتقطها طائرٌ حرّ يود أن يبني عشّه فوق شجرة أو غيمة.

    أنا هذا الطائر.
يعمل...
X