لقاء صحافي مع حارس القلعة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • لقاء صحافي مع حارس القلعة



    لقاء صحافي مع حارس القلعة
    محمود الرحبي
    قص
    (سعيد العلوي)
    شارك هذا المقال
    حجم الخط
    [إلى يعقوب الخنبشي]


    كان يكرر كلمة "السميّ" وهو يحادثني. وأنا أطلق عليه "عمي راشد".
    يعمل حارسًا في قلعة سمائل، وأصله من الرستاق. سبب لقائي به استطلاع صحافي برفقة زميلي "بدر"، المصور الصامت، مع العديد من المعمرين في عُمان، لصالح مجلة "القافلة" الأسبوعية. لدي فيها أربع صفحات عليّ أن أملأها أسبوعيًا بالحديث والصور الملتقطة من مختلف الزوايا. لذلك، في أثناء اللقاء، بدا وكأن بدر ينفصل صامتًا عنا ليدخل إلى عالمه، وهو يرشقنا بأضواء كاميرته واقفًا وجالسًا وقافزًا في أكثر من اتجاه.
    منحتني المجلة سيارة "فورويل" مستأجرة وصالحة لخوض الأودية وصعود التلال، ومؤمنة ضد الحوادث بأنواعها تأمينًا كاملًا يشملني وزميلي المصور. إلى جانب مبلغ لملء خزان البنزين مرتين في الأسبوع، وإذا بعد مكان اللقاء فإنه يمكنني أن أملأه مرة ثالثة ورابعة. وأحيانًا كنا نضطر إلى النوم في الشارع بسبب بعد المسافة. وفي هذه الحالة سنختار مساحة مضاءة من الأرض بالقرب من محطة بنزين، وذلك حتى نشعر بالأمان في أثناء النوم. لم نكن نعرف شيئًا عن العم راشد سوى ما استقيناه من معلومات محددة من دائرة القلاع بوزارة التراث، وهذه المعلومات لا تتجاوز الاسم والولاية الأصل التي جاء منها.
    حين وصلنا ناشدنا مستطلعًا "جديد الأخبار والعلوم" ودائمًا الرد معروف: "لا توجد أخبار، أو علوم". بدورنا، سألناه عن الأخبار والعلوم ليأتينا بالرد نفسه: "ما شي أخبار، ما شي علوم"، لعلمنا وعلمه، أننا لم نأت إلى هنا إلا من أجل سماع الأخبار والعلوم. وقد استعد العم راشد مثلنا لذلك اللقاء، بعد أن جاءه اتصال من وزارة التراث بضرورة التعاون معنا. ثم سألنا عن اسمينا، فعرفته أولًا بزميلي بدر، وحين لفظت اسمي "راشد" نطق بـ"السمي"، ثم تركناه يتدفق في الحديث بصوت عال، وكأنما ليسمع سيرة حياته حتى العابرين بصمت خارج سور القلعة. أشعلت آلة التسجيل قبل ذلك، واحتضنت دفتري السميك، وبدأت أحرك في جوفه القلم الجاف الأزرق.
    ـ بعدني ما بديت وأنت تكتب.!
    ـ هذه بس تمارين عمي راشد.
    ـ زنجبار أنا رحتها وكان تو خاط شاربي. ولكني شليت معي سكين سمكها أظني يجي كما كربة ذيك العوانة.
    تحولت أنظارنا وكاميرا بدر حيث أشار بعصاه، إلى كربة بارزة كسن الناب من خصر نخلة معمرة طويلة تنحني إلى خارج سور القلعة القصير، وهو يصف سكينته التي أخفاها داخل ملابسه، والتي ستثبت له الأيام مدى فائدتها. جاء بجمل من الرستاق إلى ميناء مطرح، وهناك كما خطط، وكما فعل كثيرون قبله، سيبيعه وبأجرته يسافر إلى زنجبار للعمل. ولكن لغرابة حظه، لن يمكث في زنجبار أكثر من أسبوع، وفوق ذلك سيعود ومعه زوجة أفريقية.
    قبل أن يسترسل في حديثه دخل إلى مطبخ القلعة وجاء وفي يده صحن تمر، ثم دخل مرة أخرى وإحدى يديه ترفع دلة قهوة، والأخرى وعاء ماء تعوم فوق صفحته خمسة فناجين.

    ***

    في السفينة، كنا نأكل وجبتين، أولاهما التمر والقهوة، وما تيسر من عشاء قبل النوم. لا نتغدى إلا إذا وقفنا في محطة بحرية، أو سوق كبيرة، كما حدث في البصرة وعدن وساحل الصومال. هناك كنا نأكل السمك. ولا بد من أكل البصل بعد الوصول إلى كل مكان جديد. البصل يحمي من الأمراض والعدوى. وكادت الريح أن تعصف بسفينتنا، ولكن القدير قدر لنا السلامة. كان الصمت والغناء هو الغالب على رحلتنا. لم يكن الغناء من أجل التسرية فقط، بل كان مبثوثًا فيه الدعاء لله وطلب السلامة. لا أحد يتحدث مع الشباب لذلك تركت وشأني. وحين هبطت إلى ساحل زنجبار وحيدا وجدت رجلًا يقف أمامي، كريه الوجه، أحمر العينين، بخدين أجربين كأنهما جداران يتنزه فيهما النمل. عرف أني وحيد وأبحث عن عمل. تحسست سكيني المخفية بطرف إصبعي. كان يتحدث بعربية مكسرة وهو يلين صوته ليبث الاطمئنان إلى قلبي الذي يرتجف في صدري.

    ***

    دخلت خلفه إلى مزرعة تحتلها عيدان موز طويلة وأشجار جوز هند مهملة. يتوسطها بيت قديم جدرانه طينية. طلب مني أن أتقدمه إلى غرفة على طرف الباحة حتى يقوم بواجب الضيافة، ولكنه قفل عليّ الباب وهو يخرج. ثم فتحه وفسح المجال لدخول صبية سمراء جسدها يتلألأ وهي تمشي بخطوات حذرة. عيناها الخائفتان واسعتان، وشفتاها مكتنزتان، وخداها تبرق منهما حمرة طبيعية. كان كل شيء فيها يتمايل وينطق بدون لسان. تركت أمامي طبق المهنجو الممزوج بمرق الدجاج وملعقة صدئة. أرسلت إليّ نظرة مذعورة كأنما لتبلغني أمرًا عليّ أن أتبينه بطريقتي. ثم انسحبت خارجة، وبعد قرابة الساعة، ظهر الرجل القبيح الذي أدخلني، ودون أن ينظر إلى وجهي، حمل صحن الطعام الفارغ وخرج وأقفل الباب وراءه، حينها شعرت بأني واقع في ورطة .
    في المرة التالية، حين جاءتني الفتاة بصحن طعام والوجه القبيح الذي فتح لها الباب كان وراءها، رفعت حدقتي عينيها الخائفتين ثلاث مرات إلى الأعلى. ثم خرجا وأُغلق الباب. نظرتُ إلى المكان الذي اتجهت إليه عيناها فوجدت ثقبًا يدخل منه الضوء والهواء. لحظات بعد ذلك كنت أستخدم سكيني السميكة مسندًا لإحدى رجليّ، حين أدخلت نصف السكين في بطن الجدار الطيني، ورفعت هامتي من فوقها. بصعوبة استطعت أن أرفع يدي لتتسلقا إلى ثقب الجدار، وحين أرسلت عيني من هناك فهمت سر النظرة المذعورة للفتاة. عندما رمقت رجُلًا في حالة تقطير! مكممًا ومربوط الجسد، ومعلقًا فوق نار هادئة والعرق يتصبب منه ويسقط في جوف وعاء وضع بينه وبين ثلاث أثاف ضخمة. سأفهم لاحقًا من الفتاة التي صارت زوجتي بأن ذلك العرق سيستخدم في أغراض السحر. كما أخبرتني بأن دوري كان سيأتي بعده.

    ***

    في الصباح، لحظة دخولهما، غرزت سكيني في بطن الرجل القبيح، والفتاة كتمت أولى صرخاته حين صبت إناءها بما فيه على وجهه. ظل الطعام محبوسًا بين وجهه والإناء. ضغطت على سلاحها المفاجىء بكامل قوتها، حتى أنهي مهمة القتل. كان مصيرنا يتوقف على نتائج تلك اللحظة. ثم أشرقت عيناها ما إن غاب الوجه القبيح عن الحياة. نزعت سكيني من أحشائه منتصرًا، ومسحتها بالحصيرة والجدار الطيني، ثم أرجعتها مكانها تحت ملابسي.

    ***

    الفتاة تسبقني ونحن نركض هرعين بين الأشجار باتجاه الميناء من حيث أتيت، وهناك صادفنا قاربًا أقلنا بعيدًا إلى دار السلام، وبما تبقى لدي من مال انتظرنا سفينة حملتنا إلى عُمان. وهكذا ذهبت إلى زنجبار ولم أدخلها، وفوق ذلك رجعت ومعي زوجة. هل رأيت من قبل أحدًا غيري يمكنه أن يفعل ذلك؟
    لم تكن تلك القصة الوحيدة التي حكاها لي العم راشد عن حياته. كانت صفحة من دفتر عريض، تحفّه ظلال رؤوس النخلات الطويلة.
يعمل...
X