"بيان الصفدي".. رائد أدب الطفل

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • "بيان الصفدي".. رائد أدب الطفل

    "بيان الصفدي".. رائد أدب الطفل


    لبنى شاكر

    السويداء
    يُصِّر الكاتب بيان الصفدي (1956 السويداء)، على أن جائزته الكبرى، محبة الناس لِما يكتب، ولا سيما الأطفال، رغم امتنانه لِلمسة الوفاء الجميلة والمُقدّرة على حد تعبيره، من وزارة الثقافة، بمنحه جائزة الدولة التقديرية لهذا العام، في مجال الآداب، راجياً أن يُفهم كلامه بِحسن نيّة

    والصفدي، واحدٌ من القلائل الذين أغنوا الساحة المحليّة والعربيّة، في التأليف للأطفال، من ذلك مثلاً، مُساهمته في كلمات أغاني مسلسل الأطفال الشهير (افتح يا سمسم)، وكتابته مسلسل الأطفال (المعاني)، لكن رصيده يزدحم أيضاً بأنماطٍ مُنوّعة من الكتابة، في (الشعر، القصة، السيناريو، المسرح، التحقيق الصحفي)، كما تولّى خلال مراحل مختلفة من مشواره الحافل، مناصب إعلاميّة وثقافيّة، من بينها رئاسته للقسم الثقافي في جريدة الثورة اليمنية 1989- 1997، ورئاسة تحرير مجلة الأطفال أسامة 2003- 2006، وهو حالياً خبيرٌ في الهيئة العامة السورية للكتاب.
    بدايةٌ مُبكّرةٌ


    يستحضر الصفدي في حديثٍ إلى "مُدوّنة وطن" بدايته المُبكّرة جداً، كما يصفها، وتوجهه لاحقاً نحو عوالم الطفل في القصة والشعر والأغنية، يقول: "بدأت أكتب الشعر الموزون وأنا في الصف السابع، وكنت كثير القراءة منذ طفولتي، وكنت محظوظاً بأسرتي المحبة والمشجعة وخاصة أمي، أصدرت مجموعتي الشعرية عام ١٩٧٦ وهي نتاج فتى بين ١٥و١٩عاماً، فيما بعد لقيت تشجيعاً كبيراً من ممدوح عدوان ومحمد عمران وعلي الجندي وسليمان العيسى ومحيي الدين صبحي وآخرين، كذلك كتبتُ للطفل مبكراً، وكان مشجعي الأول الأديب زكريا تامر رئيس تحرير مجلة أسامة عام ١٩٧٥، ولاقت كتاباتي قبولاً وتشجيعاً، ثم كانت القفزة الثانية في العراق حيث عملت في دار ثقافة الأطفال إلى جانب دراستي الجامعية هناك، والصدى الجيد لما أكتبه ظل يشجعني على بذل المزيد من العناية بتجربتي مع الطفل".


    الكاتب في معرض صفاقس للكتاب بتونسالكتابة للأطفال



    الكاتب بيان الصفدي

    في الحديث عن مُنجَزه للأطفال، لا يتفق الصفدي مع من يصفون نتاجه بالغزير، يقول: "نتاجي ليس غزيراً قياساً إلى أكثر من يكتبون للطفل، فلو جمعت كل قصائدي مثلاً فلا تزيد عن كتاب من مئتي صفحة، لكنني محظوظٌ بأن ما أكتبه يُنشر، وفي دور نشرٍ عربيةٍ كبرى، وبطباعةٍ أنيقةٍ، ربما تكون العناوين كثيرة، ولكنها كتبٌ قد لا تكون أكثر من ثماني صفحاتٍ أنيقة مع رسوم، كما في عشر كتب صدرت عن دار الآداب في بيروت عام ١٩٧٨، وكلمات كل كتاب لا تزيد عن مئة كلمة".

    أما الدقيق قوله، برأيه، هو كتابته في أنواعٍ متعددةٍ، لأن هاجسه إغناء ساحة أدب الطفل، يُضيف: "قد أكلّف بأعمالٍ معينة كما يحصل كثيراً، وآخر ما فعلته تكليفي من سلطنة عمان بكتابة سلسلة من ست قصص للأطفال بين ٧-١١ سنة عن أعلام عمانيين، ولا شك أنني قدمت بحثاً موسعاً حول (شعر الأطفال في الوطن العربي)، ما جعل الهيئة العامة السورية للكتاب تُعيد طباعته ثانية هذا العام، لأنه صار مرجعاً في موضوعه لدى المتخصصين، وآخر مشاريعي الكبرى هي موسوعة (ديوان الطفل العربي) التي صدرت بأجزائها الثلاثة عن دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة عام ٢٠١٥، وهي مختارات لأجمل القصائد التي كتبت للطفل منذ شعر ترقيص الأطفال عند العرب القدماء حتى الآن، وستصدر بطبعةٍ ثانيةٍ عن دار سويد خلال أسابيع".


    الكاتب نزار فلوحمحطاتٌ فاصلةٌ


    مرّت تجربة الصفدي بمحطاتٍ فاصلةٍ، لكن أكثر مرحلة أسسته، عمله في دار ثقافة الأطفال في العراق ١٩٧٧-١٩٨٢، يقول عنها: "تعلمت وطورت تجربتي في الشعر والقصة، والسيناريو والإعداد، وجرّبت تنويع شعري فنياً، فكتبت الشعر العمودي وشعر التفعيلة والقصة الشعرية والأغنية والنشيد والقصيدة التعليمية والقصيدة المكتوبة لمسلسل، هناك تجربتان غنيتان أيضاً، إحداهما مع مجلة (أحمد) و(توته توته) ودار الحدائق في لبنان، حيث طوّرت عملي في القصة الشعرية وفي أغاني الروضة، إضافة إلى الكتابة في موضوعات صعبة مثل البيئة البحرية الذي كلفتني به الدار، فكان كتابي (مغامرات مرجان ومرجانة) وهو قصة شعرية طويلة للأطفال، ولا أنسى دار البَنان في بيروت أيضاً، فقد قدمت فيهما تجربتين أعتز بهما".

    ومن أهم محطاته في ثقافة الأطفال، تكليفه برئاسة تحرير مجلة أسامة، يتحدث عنها: "أعتز أنه خلال عملي استطعت إعادة كل الرسامين والكتّاب المهمين إلى صفحاتها، حتى وهم في أمكنة مختلفة من العالم، وعملت على أن تكون صفحاتها أكثر وبورق وغلاف وألوان أفضل، كل ذلك بفضل الفريق الجميل الذي شاركني ذلك الحلم الواقعي".
    مشروعٌ فنيٌّ مُتشابه


    يُؤمن الصفدي بأن الكتابة، عزاءٌ كبيرٌ في وحشة ما نعيشه، وهي عنده في الأساس متعةٌ شخصيةٌ، في حين أن آخر ما كتبه، إلى اليوم، روايةٌ غير منشورة للأطفال، وهي المرة الأولى التي يكتب فيها رواية للأطفال، لكن، هل كانت الكتابة للطفل على حساب النتاج الخاص به، خاصة في الشعر؟

    يُجيب: "لا أعتقد أن كتابتي للطفل أعاقت شعري للكبار، كلاهما يصبان في مشروعٍ فنيٍّ مُتشابه، وهو صناعة الجمال والإنسان الجميل، وعندما أكتب للطفل أسمح لنفسي أن أكون شاعراَ مرحاً وسعيداً، لأن شعري للكبار حزينٌ غالباً، ولعل جانب الطفل عندي يحاول أن يُبقي على بصيص فرحٍ أو أملٍ لدى بيان الكبير".
    مبدع وعلَم


    يتحدث الكاتب نزار فلّوح عن الصفدي للمُدوّنة: "حين أفكّر في الكتابة عن المبدع الكبير الصديق الأستاذ بيان الصفدي، يزدحم في وجداني فيض من الأفكار والمشاعر والذكريات تكاد تسدّ عليّ منافذ التعبير، فهو سليل بيتٍ أصيل وعائلةٍ أدبيةٍ مثقفة، جُبِلَت أرواح أفرادها بعبير الإبداع وأريج الثقافة وروح المحبة والنقاء الإنساني، تجد فيهم رهافة الشاعر وبراعة الكاتب ومغامرة الفنان الرسام ورصانة الباحث الأكاديمي، ولعلّ بيان هو النجم الأكثر حضوراً بين أبناء هذه العائلة الجميلة المبدعة، وقد تعددت مناحي إبداعه الأدبية والفكرية".

    يُضيف فلّوح: "هو أحد أبرز أعلام أدب الأطفال في الوطن العربي، أغنى بنتاجه الكبير والمتميز صفحات هذا الأدب بكوكبة من الأعمال الجميلة شعراً وقصة ودراسة، وقد امتلكت أعماله قيمةً جماليةً وتربويةً فائقةً، تجاوز بها حدود المحلية، فنصوصه تُطبَع وتُقرَأ وتُدَرَّسُ وتُنشَد وتُغَنَّى وتُفتتَح ببعضها مهرجانات الطفولة في أكثر من دولة عربية، وقد حُوِّلَ بعضها إلى أعمالٍ دراميةٍ مسرحيةٍ وغنائيةٍ وتلفزيونيةٍ، ما يُدلِّل على مكانته الإبداعية المرموقة وقيمته الأدبية السامقة، من دون أن ننسى تجربته المهمة والغنية في صحافة الأطفال".

    بالإضافة إلى ما سبق من جهدٍ وأثرٍ، والذي يصفه فلّوح بالمُنجَز الإبداعي الكبير، يقول أيضاً: "دأب الصفدي على البحث الأدبي والتنقيب عن بواكير الأعمال الأدبية التي قُدِّمَت للطفل في التراث العربي القديم، وفي كتابات عصر النهضة وما بعده، فاكتشف الكثير من تلك الأعمال المجهولة، ونفض عنها غبار النسيان، ووثَّقها وأصدرها في مجموعاتٍ مُختارة، فاستعاد أدب الطفل العربي بفضله جزءاً مهمّاً من ذاكرته المفقودة، وأتاح بدراساته الجادة الرصينة مادة شعرية وتاريخية وتربوية مهمّة للقراء والباحثين".

    أمّا عن مُنجَز الصفدي للكبار، فيرى فلّوح أنه "قد يبدو من المفارقة أنّ شهرة بيان وعمق موهبته في مجال أدب الطفل وأهمية إنجازه في هذا الحقل، جاءت على حساب تجربته الإبداعية في مجال الشعر (الموجّه للكبار)، فقد أنتج في هذا الباب أكثر من ستّ مجموعات شعرية ابتداءً من مجموعته الأولى "ويطرح النخل دماً" (1976) التي قدَّم لها الراحل الكبير ممدوح عدوان، وصولاً إلى مجموعته الشعرية الرائعة "فرض عين وقلب" (2021)، وهي تجربة مهمة تستحق الوقوف عندها وتأملها تذوقيّاً ونقديّاً".

    يُشير أيضاً: "في شخصية المبدع بيان بُعدٌ ثالث، يتمثل في غنى تجربته الثقافية وخبرته العميقة بالبيئات والأوساط الأدبية العربية وعلاقاته الوثيقة والواسعة بالأدباء والمبدعين، وقد اغتنت تلك التجربة برحلاته وأسفاره وعمله في دول عربية عدة كالعراق واليمن.. إذ أتاحت له هذه التجربة اللقاء بكبار أعلام الأدب العربي ورموزه، ومَدّ جسور الصداقة معهم، ومعايشة الكثير من أسرارهم وخصوصياتهم وجوانب حياتهم وإبداعهم، وهو في هذا الجانب منبعٌ ثريٌّ لكثير من الذكريات والمواقف الطريفة والنادرة في حياتنا الأدبية المعاصرة".
    حضورٌ محليٌّ وعربيٌّ


    الشاعر صقر عليشي، قال عن الصفدي للمُدوّنة: "أديبٌ وشاعرٌ متميزٌ نفخر به، واسع الثقافة والاطلاع، له حضوره المحلي والعربي، وقد أعطى همه الأكبر وجلّ وقته، لأدب الطفل، فكتب فيه أجمل الأشعار، وردد أطفال الوطن العربي أناشيده المحببة، له أيادٍ بيضاء فيما قدمه للثقافة السورية، من خلال مشواره الحافل وعمله الطويل كخبيرٍ في الهيئة العامة السورية للكتاب".

    كذلك أشار عليشي إلى ما ألّفه الصفدي، من كتبٍ وبحوثٍ مهمةٍ، في اللغة والنقد، تعد مراجع موثوقة للدارسين في أدب الكبار والصغار، وأضاف: "الصفدي شاعرٌ له صوته الخاص، وله إضافته وبصمته، لا ينقصه الخيال اللماح، ولا الحس المرهف، ولا الإبداع المدهش، نُهنئه ونُهنئ أنفسنا بحصوله على جائزة الدولة التقديرية، والتي يستحقها بجدارة".
يعمل...
X