صباح

 


أنا كده.. أنا كده دلوعة دايماً
هى بكل المقاييس.. غير عادية!
ولأن إيقاع الحياة السريع.. يأخذنا.. وأمواج مشاكلنا الصغيرة والكبيرة تضربنايميناً ويساراً.. لم نقف لحظة لنتأمل ونرصد ظاهرة "الصبوحة"، "شمس الشموس"، "الشحرورة"، "الشباب الدائم"..
طفلة بريئة تضحك ويضحك معها كل وجهها لأن ضحكتها من القلب.. وتقول فى محاولة لحل لغزها وفزورتها الصعبة:

أنا كده.. أنا كده دلوعة دايماً
حينما دعوتها مع زوجها "فادى لبنان" لتناول طعام العشاء فى واحد من المطاعم اللبنانية الجديدة، صاحت مهللة كطفلة ومصفقة:
جميل.. أنا أحب الأكل اللبنانى جداً!
ولم يكن هذا التعليق سوى خدعة كبرى.. ولم تكن دعوتى سوى محاولة لحل لغز رشاقتها.. و"ريجيمها" الحديدى الذى تعتبره ميثاق شرف مع نفسها، لاتفرط فيه أبداً مهما كان.
فى لحظات كانت المائدة قد حفلت بعشرات الأطباق الشهية والمقبلات اللبنانية الشهيرة وحولنا تجمع العاملون فى محاولة رشة كرم زائدة.. أطباق توضع وأطباق ترفع وأنا كلى عيون فضولية أرقبها وأتأملها. ومع كل طبق جديد يوضع تصيح وتهلل وكأنها "أكيلة" محترفة وتتعرف بسهولة على الأطباق وأصنافها الغريبة.. ومن يسمعها لا يصدق ما رأيته بعينى وسأنقله لكم بكاميرا دقيقة حساسة!

من بين عشرات الأطباق مدت يدها بالملعقة إلى طبق به شئ أبيض يشبه "الزبادى".. وأخذت ملء ملعقتين بالتمام والكمال. ثم إلى طبق العيش المحمص لتأخذ ما مساحته "خمسة سنتيمترات مربعة" أو ما نطلق عليه "كسرة خبز جافة".
ثم إلى طبق "الجبن الأبيض" وبرقة وبمهارة المحترفين قطعت "سنتيمتراً مربعاً" فى حجم "زهرة الطاولة" وبسعادة شديدة قالت:
أنا أموت فى "اللبنة" والعيش المحمص.
نظرت أنا إلى زوجها "فادى لبنان" مندهشا. كما يحدث معى دائما.. وقبل أن أتكلم قال:

لا تحاول.. هذا هو عشاؤها المقرر فى كتب وزارة التربية والتعليم!

أما أنا.. ففى حسرة شديدة نظرت إلى عشرات الأطباق الممتلئة بالمشمر والمحمر والمشوى والمقلى.. والمخلى واللى مش مخلى وكلها باقية كما هى كديكورات وإكسسوارات المسلسلات التليفزيونية "العهدة" الممنوع لمسها! وهمست لنفسى متحسرا على الفاتورة القادمة:
معقولة يا "صبوحة" ملعقة "لبنة" و"قطمة" جبنة و"لقمة" ناشفة؟!
مش كنت تقولى، بدل "الهلمة" دى كلها والتسويحة!
لم يكن أمامى أنا و"فادى لبنان" إلا الأكل بهدوء ومداعبة الأطباق"المسكينة" اللى واخدة على خاطرها. وها أنا أيها الناس أشهد وأبصم بالعشرة أنى شهدت بعينى حل اللغز والفزورة.. وروشتة "الشباب الدائم" التى تقدمها لكم الصبوحة مجانا.. بس مين يسمع.. ومين يصدق!
أنا كده.. أنا كده.. شبعانة دايماً
أمام الدهشة التى تتملكنى دائما أمامها.. قالت بسعادة:
صدقنى إن المسألة بسيطة جدا وسهلة جدا لو عرف الإنسان وتأكد أن "المعدة" هى سبب كل "المصايب"!
وزى ما قالوا أجدادنا زمان "المعدة أصل الداء".
وأنا والحمد لله استطعت من زمان الانتصار على شيطان المعدة! وعلى فكرة هذا سهل جدا إذا تعودنا عليه.. وأنا أطبق هذه القواعد الحديدية بشدة ولا أتنازل عنها أبدا، لسبب بسيط.. هو أن هناك صراعا خفيا دائما بين "المعدة" وباقى الجسم، فالمعدة "أنانية" جدا تحب نفسها وطماعة جدا وكلما "امتلأت بالرمرمة" التى تعودنا عليها بغير نظام وبغير حساب وفلت العيار تضيع الرشاقة ويضيع معها الإحساس بالسباب وبالخفة وبالانطلاق وبالحياة.. وتبدأ الشيخوخة فى التسلل إلى الروح أولا ثم إلى الجسد ثانياً.. وصدقنى شيخوخة الروح أشد ألما وإزعاجا! فكم يصيبنى الحزن أمام مناظر شبابنا وبناتنا و"كروشهم" البارزة ورشاقتهم المفقودة وشبابهم الذى يذبل أمام "شيطان"المعدة!

تصمت لحظة وترشف نصف كوب من الماء نصف المثلج، وتقول:
حتى الماء.. أشربه بالمعقول.. كل شىء بالمعقول.. معقول.. أما "الدهولة" و"الفوضى" و"الطعمية" فهى عدو "شبابنا" الأول.
مازلت أسمع ومازالت تحل اللغز وتقول:
عند استيقاظى صباحاً أتناول كوبا من عصير البرتقال أو "الجريب فروت" ثم فنجان قهوة، وبعد ساعة أتناول فنجان قهوة آخر وأبدأ فى نشاطى اليومى المعتاد.. الذى تتخلله بعض التدريبات الرياضية التى تعودت عليها منذ أيام "الأبيض والأسود".


تضحك.. وتكمل.. بعد أن قطمت لقمة جافة أخرى صغيرة.. وتقول:
العيش المحمص يجنن.. لكن هذه آخر لقمة! فى الغداء أتناول طبقا صغيرا جدا من شوربة الخضار وقطعة صغيرة جدا من اللحم المشوى او الدجاج وممنوع فتح الفم بعد الغداء إلا للكلام فقط! أماتناول أى شىء من قذائف "الرمرمة" مثل المياه الغازية.. أو "المسليات" كالفول السودانى واللب.. أو الحلوى الشرقية والجاتوهات.. كل هذا ممنوع تماما، ويسمح بتواجد هذه الأشياء عندنا فقط للضيوف. و"لفادى" الذى أحيانا يشتاق "للرمرمة" رغم أنه يشاركنى فى الريجيم والنظام العنيف فى الطعام لأنه راقص قبل أن يكون مطرباً.. والرشاقة هى رأس ماله!
والعشاء؟ سألتها.. وأنا أختلس النظر إلى صفوف الأطباق "العذراء" التى "تخرج من عينى" !
قالت .. وهى تعود مرة أخرى الى لقمة العيش المحمص :
زى ما أنت شايف.. خفيف جدا.. لقمة ناشفة "بحتة" جبنة.. خيارة، حتة فاكهة صغيرة، حتة واحدة بس.. مش قفص.
عدت بظهرى إلى الوراء وأنا أهز رأسى حزنا على حالى ودهولتى.. وضعفى أمام "الهبر".
أنا كده .. أنا كده .. شباب دايماً
كنت أتامل لون بشرتها الذى لم يعرف التجاعيد، ويهتز أمامى السؤال الحائر.. ولا أعرف كيف أصيغه بذكاء وخبث ولم يكن أمامى إلا المباشرة وسألتها:
ما حكاية "شد الوجه" التى نسمعها والتى انتشرت الآن بين الفنانين؟!
بهدوء وثقة.. وابتسامة قالت:
صدق أو لا تصدق أنا لم أذهب فىحياتى إلى طبيب تجميل.. ولم أجر فى حياتى عملية "شد" واحدة، كما يقولون.. وكلها اجتهادات وشائعات.. والحمد لله النضارة والشباب ربانى .. وهبة من الله سبحانه وتعالى وطبعا للوراثة دور كبير فوالدى توفى عن "105" أعوام وبشرته فى نضارة بشرة الأطفال ولم تعرف التجاعيد طريق وجهه.

وأسألها: وهل لك "كريمات" معينة أو تركيبات كيماوية خاصة.. لنضارة البشرة ومقاومة التجاعيد او الماسكات التى نقرأ عنها كثيرا فى مجلات الموضة.
تضحك "صباح" بشدة ويشاركها "فادى" زوجها وهما يتذكران، وتقول:
كثيرون جدا يتطوعون بإعطائى وصفات غريبة لنعومة البشرة.. كان أرغبها تغطية الوجه بورق "الكرنب" المسلوق.. وقشر الليمون.. والخيار.. يعنى ناقص بس شوية ملح ويصبح الوجه طبق سلطة محترم!
أنا كده .. أنا كده .. حبوبة دايما !
تصمت صباح لحظة ووجهها مازال مشعاً بالشباب وتنظر إلى "فادى" بحب شديد، ويبادلها نفس النظرة، ثم تبوح بالسر الأخير لأنهى موضوعى وأجمع أوراقى:
لا تنس أن أهم سر للشباب الدائم هو "الحب الدائم" فأنا أعيش حياتى كلها حب فى حب.. ولا أستغنى عن الحب أبدا.. حب الناس.. حب الحياة.. وحب الحب!
ويحيا الحب.
 

 

ريجيم المشاهير
الرئيسية